سياسة

سوريا: سقوط الطائفية في وحل الاحتلالين الصهيوني والعثماني

محمد صادق اليحياوي | باحث في العلوم السياسية. تكشف التحولات التي تشهدها سوريا عن أزمة المشروع الوطني والقومي، في ظل تصاعد الولاءات الطائفية والمناطقية وتنامي التدخلات الخارجية. فمن…

هيئة التحرير··5 د قراءة·5817 قراءة
سوريا: سقوط الطائفية في وحل الاحتلالين الصهيوني والعثماني

محمد صادق اليحياوي | باحث في العلوم السياسية.

تكشف التحولات التي تشهدها سوريا عن أزمة المشروع الوطني والقومي، في ظل تصاعد الولاءات الطائفية والمناطقية وتنامي التدخلات الخارجية. فمن السويداء إلى الشمال السوري، تتقاطع مصالح قوى محلية وإقليمية على حساب وحدة البلاد وسيادتها؛ إذ يوسّع كيان العدو الصهيوني حضوره في الجنوب، فيما تكرّس تركيا نفوذها العسكري والسياسي في الشمال. وبين المسارين، تتحول المآسي والانقسامات إلى أدوات لإعادة تشكيل سوريا وفق مصالح القوى المتدخلة.

السويداء: المذابح لا تبرّر الاستقواء بالعدو

خلّفت المذابح التي تعرّض لها أبناء السويداء جراحاً عميقة، وأثارت أسئلة ملحّة بشأن مسؤولية أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، والجماعات المرتبطة به عن الجرائم والانتهاكات. وتقتضي العدالة كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وضمان حقوق الضحايا وأسرهم.

لكن إدانة هذه الجرائم لا تبرّر الانتقال من مجرم إلى آخر، ولا تجعل الاستقواء بكيان العدو الصهيوني طريقاً إلى الحماية. فالمأساة لا تمنح الاحتلال شرعية التدخل، ودماء الضحايا لا يجوز أن تتحول إلى غطاء لتوسيع نفوذه في الجنوب السوري، وهو الذي يحتل الجولان ويواصل اعتداءاته على سوريا والشعب العربي.

إن أبناء السويداء يستحقون الأمن والكرامة والعدالة، انطلاقاً من حقوقهم الوطنية والإنسانية، لا من رضا الاحتلال أو رعايته. كما أن إرث المحافظة النضالي، المرتبط بثورة سلطان باشا الأطرش ضد الانتداب الفرنسي عام 1925، يؤكد أن مقاومة الظلم لا تنفصل عن رفض الاستعمار، وأن كرامة الجماعة لا تُصان بالتخلي عن كرامة الوطن.

أهل السويداء والجولان: الصمود في مواجهة الاحتلال

لا يجوز اختزال الطائفة الدرزية في مواقف بعض قياداتها، ومن بينها حكمت الهجري، أو تحميل أبنائها جماعياً مسؤولية خيارات سياسية محددة. فتاريخهم الوطني يضم نماذج راسخة في التمسك بالهوية السورية والعربية ورفض الاحتلال، وفي مقدمتها أبناء الجولان السوري المحتل الذين صمدوا لعقود في مواجهة سياسات الاحتلال ومحاولات فرض الأمر الواقع.

لقد رفضت قطاعات واسعة من أبناء الجولان التجنيس الإسرائيلي، وتمسكت بهويتها السورية رغم الضغوط وسياسات العزل والضم. وتؤكد تجربتهم أن الانتماء الديني لا يستلزم الانفصال عن الوطن، وأن الاحتلال لا يستطيع محو الهوية أو فرض شرعيته بالقوة.

ومن هنا، فإن الوفاء لضحايا السويداء ولصمود أبناء الجولان يقتضي رفض القتل والإقصاء والتهجير، كما يقتضي رفض تحويل المظلومية إلى رصيد سياسي للاحتلال. فالمجتمعات أوسع من قياداتها، وتاريخ النضال الوطني لا يُختزل في خيارات ظرفية أو حسابات إقليمية.

الشمال السوري: الجولاني والنفوذ التركي

في الشمال السوري، تتخذ أزمة السيادة وجهاً آخر، مع اتساع النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي التركي، وتداخل مصالح القوى المسلحة المحلية مع حسابات أنقرة. وفي هذا السياق، تبرز هيئة تحرير الشام والقيادة المرتبطة بأحمد الشرع ضمن مشهد تتشابك فيه المصالح المحلية والإقليمية.

إن جوهر الاعتراض على النفوذ التركي ليس الخصومة مع الشعب التركي، وإنما رفض الوصاية الخارجية على سوريا. فالتعاون بين الدول يختلف عن تحويل الأراضي السورية إلى مناطق نفوذ، أو إخضاع القرار الوطني لحسابات دولة أخرى.

كما أن الشعارات الدينية والثورية لا تعفي أي سلطة من مسؤولية خياراتها، ولا تمنحها حق التفريط بالسيادة أو إقصاء مكونات المجتمع. فحين تُسوَّق التبعية باعتبارها ضرورة، تتحول الأيديولوجيا إلى غطاء للهيمنة، ويصبح استقلال القرار السوري رهينة مصالح خارجية.

احتلالان ومشاريع متباينة: السيادة معيار لا يتجزأ

من الجنوب إلى الشمال، يواجه السوريون خطر تحويل بلادهم إلى مناطق نفوذ متنافسة: تعويل على كيان العدو الصهيوني في الجنوب، ونفوذ تركي متصاعد في الشمال. ورغم اختلاف الوقائع والمسؤوليات، يبقى المعيار واحداً: رفض الاحتلال والوصاية، وعدم تبرير الاستبداد الداخلي بالارتهان إلى قوة أجنبية.

فالطائفية السياسية تقوّض المواطنة الجامعة، والأيديولوجيات الإقصائية تعيد إنتاج الاستبداد، فيما تستثمر القوى الخارجية الانقسامات لإضعاف الدولة والمجتمع. ولا يجوز تحميل أبناء الطائفة الدرزية مسؤولية خيارات بعض قياداتهم، مثلما لا يجوز اختزال المجتمع السوري في الشمال في مواقف الفصائل المسلحة.

إن الدفاع عن الحقوق يختلف عن الاستقواء بالاحتلال، كما أن رفض الظلم لا يبرّر الارتهان للخارج. والسيادة الوطنية لا يمكن أن تكون مبدأً انتقائياً يخضع لهوية القوة المتدخلة أو لحسابات المحاور.

استعادة الوعي القومي: لا حماية تحت راية الاحتلال

تقتضي استعادة المشروع الوطني السوري بناء جبهة واسعة تتجاوز الاصطفافات الطائفية والمناطقية، وتضع وحدة البلاد واستقلالها وحقوق مواطنيها في صدارة الأولويات. جبهة تدين المذابح والانتهاكات، وتطالب بمحاسبة مرتكبيها، وتحمي أبناء السويداء وسائر السوريين من دون منح كيان العدو الصهيوني شرعية التدخل، وترفض في الوقت نفسه تكريس النفوذ التركي على حساب السيادة السورية.

ولا يمكن تحقيق هذه الوحدة بإنكار المظالم أو فرضها بالقوة، بل بضمان حقوق جميع المكونات، والمشاركة السياسية المتكافئة، وصون الحريات، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ورفض الإقصاء والانفصال. فالوحدة الوطنية عقد سياسي واجتماعي يحمي المواطنين من الاستبداد والاحتلال معاً.

وتحمل تجربة أبناء الجولان المتمسكين بهويتهم السورية، وإرث سلطان باشا الأطرش وثورة عام 1925، دلالة واضحة: أن الكرامة المحلية والتحرر الوطني معركتان متلازمتان، وأن مقاومة الظلم لا تكتمل بالارتهان لقوة احتلال أخرى.

لا يجوز أن يكون الجولاني بوابة إلى كيان العدو، ولا أن يصبح الاحتلال التركي بديلاً من الاحتلال الصهيوني، ولا أن تتحول دماء السويداء إلى ثمن لتكريس وصاية جديدة. فالسوريون يستحقون حماية تقوم على العدالة والسيادة، لا على الارتهان للخارج.

إن سوريا المنشودة هي سوريا المستقلة والموحدة، التي تتقدم فيها المواطنة على الطائفة، والسيادة على المحاور، وحقوق الناس على مصالح القيادات. سوريا التي لا يُخيَّر أبناؤها بين جلاد داخلي ومحتل خارجي، ولا تتحول فيها المظلومية إلى مشروع انفصال، أو الأيديولوجيا إلى غطاء للتبعية.

فتحرير سوريا من الاحتلال والوصاية، وصون وحدتها وكرامة أبنائها، معركة واحدة لا تقبل التجزئة؛ والسيادة لا تقبل الانتقاء، ودماء السوريين لا ينبغي أن تكون جسراً يعبر عليه احتلال جديد.

شارك:

مقالات ذات صلة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت
سياسة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت

عبدالكريم مسعود | كاتب ليبي حين أهان دونالد ترامب شعوب ليبيا واليمن والصومال وهايتي في أحد تجمعاته الانتخابية، لم يكن يستحضر مجرد قاموسه العنصري المعتاد، بل نظر…

هيئة التحرير · 29 أكتوبر 2026 · 8 د قراءة
من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل
سياسة

من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل

زيد حمد من حيث المبدأ، لا يوجد شيء اسمه "انتخابات" عند العدو الصهيوني. ما جرى هو حفلة داخلية لتبادل الأدوار بين قتلة، يشرف عليها جمهور من المستوطنين، ليختاروا أ…

هيئة التحرير · 28 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة
التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ
سياسة

التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ

الباحث شوكت السعدون الظاهرة الحدث في "حمود" ليست معزولة. بل اتت ضمن سياق منطقي متراكم غير عشوائي ،وعبر وحدة الزمن- التاريخ والمكان-الجغرافيا إنها نتيجة قانون "ا…

هيئة التحرير · 25 أكتوبر 2026 · 4 د قراءة
لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟
سياسة

لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟

محمد خالد | كاتب عربي تجري غدًا جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة البرازيلية، إذ لم يحرز أي من المرشحين نسبة الـ50٪ في الجولة الأولى التي تخول من يحققها أن يكون…

هيئة التحرير · 24 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة