سياسة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت

عبدالكريم مسعود | كاتب ليبي حين أهان دونالد ترامب شعوب ليبيا واليمن والصومال وهايتي في أحد تجمعاته الانتخابية، لم يكن يستحضر مجرد قاموسه العنصري المعتاد، بل نظرة أعمق إلى شعوب الجن…

هيئة التحرير··8 د قراءة·7638 قراءة
القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت
عبدالكريم مسعود | كاتب ليبي

حين أهان دونالد ترامب شعوب ليبيا واليمن والصومال وهايتي في أحد تجمعاته الانتخابية، لم يكن يستحضر مجرد قاموسه العنصري المعتاد، بل نظرة أعمق إلى شعوب الجنوب العالمي، ترى في فقرها واضطرابها دليلاً على دونيتها، لا نتيجة لتاريخ طويل من الاستعمار والحروب والتدخلات الخارجية. وحين عاد لاحقاً ليشيد بالشعب الليبي، دون أن يعتذر عن إهانته أو عن إساءته إلى الشعوب الأخرى، بدا كأن المشكلة في اختيار الكلمات، لا في النظرة التي أنتجتها.

ثمة مفارقة تستحق التأمل: الولايات المتحدة التي شاركت في الحرب على ليبيا سنة 2011، وأسهمت في إسقاط نظامها السياسي، تعود اليوم لتتحدث عن الفوضى والتدخلات الأجنبية فيها كما لو كانت شاهداً بريئاً على ما جرى. ولعل هذه المفارقة تتيح لنا استعادة معمر القذافي، لا للدفاع عن كل ما فعله، ولا لمحاكمته من خلال نهايته، بل لفهم المشروع الذي حمله طوال أربعة عقود: أن تمتلك ليبيا والعالم العربي وأفريقيا من القوة ما يحول دون بقاء مصائرها رهناً بإرادة القوى الكبرى.

كانت ليبيا التي وصل فيها الضباط الوحدويون إلى السلطة في الفاتح من سبتمبر 1969 بلداً مستقلاً من الناحية القانونية، لكن القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية بقيت على أرضه، بينما تمتعت الشركات الأجنبية بنفوذ واسع في قطاعه النفطي. وقد أدرك القذافي مبكراً أن الاستقلال السياسي لا يكتمل ما لم تمتلك الدولة القدرة على التحكم في ثروتها وقرارها. ولذلك كان إجلاء القواعد الأجنبية وإعادة التفاوض على الامتيازات النفطية من أولى معارك الثورة، في مرحلة كانت فيها الدول المنتجة للنفط تخوض صراعاً أوسع لتغيير شروط علاقتها بالشركات الغربية.

غير أن السيطرة على النفط لم تكن غاية في ذاتها. فقد ارتبطت بإعادة توزيع الثروة والتوسع في التعليم والعلاج والإسكان والخدمات العامة. وخلال العقود الأولى من الثورة، شهدت ليبيا تحسناً كبيراً في مؤشرات الصحة والتعليم ومتوسط العمر المتوقع، واتسعت البنية التحتية في بلد خرج من الاستعمار مثقلاً بالفقر والأمية. لم تكن هذه التحولات مجرد إنجازات خدمية، بل محاولة لتغيير الشروط المادية لحياة الليبيين، وجعل الاستقلال السياسي محسوساً في المدرسة والمستشفى والمسكن وفرص العيش.

ولم يحصر القذافي هذا التصور للتحرر داخل حدود بلاده. فقد نشأ سياسياً في ظل المد القومي الذي مثله جمال عبد الناصر، وفي أعقاب هزيمة يونيو 1967، حين بدا عجز الدول العربية منفردة عن مواجهة إسرائيل وحلفائها أكثر وضوحاً. ومن هنا جاءت محاولاته المتكررة لإقامة اتحادات عربية، كما احتلت فلسطين موقعاً مركزياً في سياسته الخارجية. قدمت ليبيا الدعم المالي والعسكري لفصائل المقاومة الفلسطينية، ورفضت اتفاقيات كامب ديفيد والتسوية المنفردة مع إسرائيل، انطلاقاً من تصور يرى أن تحرير فلسطين جزء من معركة أوسع ضد الهيمنة الأجنبية.

وامتد هذا التوجه إلى أفريقيا والعالم. فقد دعمت ليبيا حركات التحرر المناهضة للاستعمار والتمييز العنصري في موزمبيق وأنغولا وناميبيا وجنوب أفريقيا، وساندت قوى معارضة لحكم الشاه في إيران، ثم رحبت بثورة عام 1979 التي أطاحت بأحد أهم حلفاء واشنطن في المنطقة. ولم تكن هذه الحركات متجانسة في أفكارها أو أهدافها، كما لم تخلُ سياسات ليبيا تجاهها من التناقضات، لكنها كشفت عن طموح يتجاوز إمكانات الدولة الليبية وحجمها: أن تكون طرفاً في تغيير ميزان القوى بين الشعوب التي خرجت من الاستعمار والقوى التي ورثت امتيازاته.

ومع تعثر مشروعات الوحدة العربية، أخذت أفريقيا تحتل موقعاً متقدماً في تفكير القذافي. ولم يكن ذلك تخلياً عن فلسطين أو الانتماء العربي، بل انتقالاً إلى فضاء رأى فيه فرصة لبناء قوة سياسية واقتصادية أوسع. وقد عمقت تجربة الحصار الدولي في التسعينيات هذا التوجه، بعدما أظهرت أن التضامن الأفريقي يستطيع أن يمنح ليبيا هامشاً للمناورة خارج دوائر النفوذ الغربي.

لكن ما يميز حلم القذافي الأفريقي أنه لم يكتفِ بالدعوة إلى التضامن بين الشعوب. لقد أراد ترجمة الوحدة إلى مؤسسات. ففي سبتمبر 1999، اجتمع القادة الأفارقة في سرت، وصدر الإعلان الذي مهد لإنشاء الاتحاد الأفريقي. وكان للقذافي دور بارز في الدفع نحو هذه الخطوة، حتى إن إعلان سرت أشار صراحة إلى مقترحاته بشأن بناء أفريقيا قوية وموحدة، قادرة على استثمار مواردها البشرية والطبيعية لتحسين حياة شعوبها.

كانت للمشهد دلالة تاريخية خاصة: ليبيا التي عانت الاستعمار الإيطالي ومعسكرات الاعتقال وسياسات الإبادة، تستضيف مشروعاً لإعادة تنظيم العلاقات بين دول قارة تعرضت شعوبها لقرون من النهب والاستعباد والاستعمار. ولم يكن الرهان على تغيير اسم منظمة الوحدة الأفريقية، بل على الانتقال من التنسيق الدبلوماسي إلى بناء أدوات مشتركة للقوة الاقتصادية والسياسية.

ومن هنا برزت الدعوة إلى مؤسسات مالية أفريقية، من بينها البنك المركزي الأفريقي وصندوق النقد الأفريقي وبنك الاستثمار الأفريقي. لم تكن هذه المشروعات قد تحققت جميعها، ولا يصح تصويرها كما لو كانت مؤسسات مكتملة دمرتها حرب 2011. لكن أهميتها تكمن في السؤال الذي انطلقت منه: كيف يمكن لقارة تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز والذهب واليورانيوم والأراضي الزراعية، أن تبقى معتمدة في تمويل تنميتها على مؤسسات تقع خارجها، وتخضع خياراتها الاقتصادية لشروط لا تضعها شعوبها؟

كان القذافي يرى أن مأزق أفريقيا ليس فقرها بالموارد، بل موقعها في نظام اقتصادي عالمي يستخرج الثروة من أطرافه ويحتفظ بأدوات التحكم بها في مراكزه. ولذلك لم تكن الوحدة الأفريقية، في تصوره، مجرد جمع للدول تحت راية واحدة، بل محاولة لامتلاك وسائل الاستقلال: التمويل والتكامل الاقتصادي والتعاون السياسي والعسكري والقدرة على التفاوض مع العالم من موقع أكثر ندية.

وما يمنح هذه الأفكار راهنيتها أن السيطرة على الدول لم تعد تحتاج دائماً إلى احتلال أراضيها. ففي عالم تُستخدم فيه العقوبات والعملات والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد أدوات للضغط السياسي، تصبح السيادة الاقتصادية شرطاً ضرورياً لحماية القرار الوطني. وقد حاول القذافي، قبل اكتمال هذه التحولات، أن يجد لأفريقيا مكاناً مختلفاً في النظام الدولي، حتى وإن تجاوز طموحه أحياناً إمكانات بلاده.

ولعل من مفارقات هذه التجربة أن شخصية القذافي نفسها أصبحت مادة للسخرية، بينما غابت عن كثير من صورته المتداولة الأسئلة السياسية التي أثارها. فقد تحولت ملابسه وأسلوبه إلى دليل على الغرابة في نظر من اعتادوا اتخاذ هيئة رجل الدولة الأوروبي معياراً للوقار والحداثة. وكان في اختياره المتعمد لرموز من الموروث الليبي والأفريقي خروج على هذه الصورة، حتى إن مظهره صار جزءاً من تمرده على النموذج الذي أراد الغرب تعميمه بوصفه النموذج الوحيد المقبول.

لكن تجربة ليبيا القذافي لم تكن مسيرة متصلة من الإنجازات والانتصارات. فقد تعرضت البلاد للقصف الأمريكي سنة 1986، وخاضت حرباً استنزافية في تشاد، ثم واجهت عقوبات دولية امتدت سنوات طويلة. وأسهم الحصار والعزلة، إلى جانب اختلالات داخلية، في إضعاف بعض السياسات الاجتماعية والتوزيعية التي ميزت المرحلة الأولى من الثورة، وفتح المجال أمام توسع النشاط التجاري والوساطة وتراكم الثروة الخاصة. وهكذا أخذ المشروع الذي انطلق من فكرة التحرر من التبعية يواجه ضغوطاً وتناقضات أعادت تشكيل بعض أسسه الاقتصادية والاجتماعية.

ولم تكن هذه التناقضات اقتصادية وحدها. فقد شهد حكم القذافي مظالم سياسية وتضييقاً على الحريات، كما أن بعض خياراته الخارجية حملت ليبيا أعباء باهظة. وليس إنصاف تجربته مرادفاً لإنكار هذه الوقائع، مثلما لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لمحو ما تحقق من تحولات اجتماعية أو تجاهل المشروع العربي والأفريقي الذي ارتبط باسمه. فالتاريخ لا يُكتب من خلال لحظة واحدة، ولا تُختزل تجربة امتدت أكثر من أربعة عقود في نهايتها المأساوية.

وحين تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا سنة 2011، لم تنتهِ الحرب بسقوط القذافي وحده. فقد انهارت منظومة السلطة القائمة، وانفتح المجال أمام صراعات مسلحة وتدخلات خارجية متنافسة، وأصبح القرار الوطني موزعاً بين قوى محلية ودولية. والمفارقة أن بعض الدول التي قدمت تدخلها العسكري باعتباره طريقاً إلى الحرية والاستقرار، عادت لاحقاً لتتعامل مع ليبيا باعتبارها مشكلة أمنية تتعلق بالهجرة والإرهاب والحدود، بينما تُرك الليبيون يواجهون نتائج انهيار الدولة.

ولعل ما تكشفه إهانات ترامب لليبيا واليمن والصومال وهايتي يتجاوز شخصية الرئيس الأمريكي نفسه. فهذه اللغة ليست طارئة على تاريخ العلاقة بين الغرب وشعوب الجنوب؛ إنها امتداد لميراث استعماري طويل، اعتاد فيه الرجل الأوروبي الأبيض أن ينظر إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بوصفها عالماً أدنى، وأن يمنح نفسه حق تصنيف شعوبها والحكم على أهليتها للتحضر والحكم والاستقلال. تغيرت الأزمنة وتبدلت المفردات، لكن شيئاً من تلك النظرة ظل حاضراً في خطاب القوة.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يستحق القذافي أن يُستعاد إلى الذاكرة. لا باعتباره حاكماً ليبياً أُطيح به، ولا بوصفه شخصية مثيرة للجدل في التاريخ العربي المعاصر، بل واحداً من رموز التمرد على عالم أراد للغرب أن يبقى مركزه، وللآخرين أن يقبلوا مواقعهم في أطرافه. لقد أراد لأفريقيا أن تمتلك ثروتها وقرارها وصوتها، وللعرب أن يجدوا في وحدتهم قوة، ولشعوب الجنوب أن تكف عن انتظار الاعتراف بشرعيتها من العواصم التي استعمرتها ونهبت مواردها.

وحين يسخر ترامب اليوم من شعوب الجنوب، فإنه يستحضر، من حيث لا يقصد، السؤال الذي جعل منه القذافي قضية سياسية امتدت عقوداً: كيف يمكن لهذه الشعوب أن تتحرر، لا من الاحتلال والتبعية الاقتصادية وحدهما، بل من نظام عالمي ما زال يمنح الرجل الأبيض سلطة تعريف الآخر والحكم عليه؟ لقد قُتل القذافي، وتعثر حلمه، لكن العالم الذي تمرد عليه لم يتغير بالقدر الذي يجعل ذلك الحلم من الماضي.

لم يكن القذافي يريد من الرجل الأبيض أن يكف عن احتقار أفريقيا؛ كان يريد لأفريقيا أن تنهض من موقعها المفروض في العالم، حتى لا يعود لاحتقاره أي سلطان عليها.

شارك:

مقالات ذات صلة

من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل
سياسة

من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل

زيد حمد من حيث المبدأ، لا يوجد شيء اسمه "انتخابات" عند العدو الصهيوني. ما جرى هو حفلة داخلية لتبادل الأدوار بين قتلة، يشرف عليها جمهور من المستوطنين، ليختاروا أ…

هيئة التحرير · 28 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة
التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ
سياسة

التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ

الباحث شوكت السعدون الظاهرة الحدث في "حمود" ليست معزولة. بل اتت ضمن سياق منطقي متراكم غير عشوائي ،وعبر وحدة الزمن- التاريخ والمكان-الجغرافيا إنها نتيجة قانون "ا…

هيئة التحرير · 25 أكتوبر 2026 · 4 د قراءة
لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟
سياسة

لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟

محمد خالد | كاتب عربي تجري غدًا جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة البرازيلية، إذ لم يحرز أي من المرشحين نسبة الـ50٪ في الجولة الأولى التي تخول من يحققها أن يكون…

هيئة التحرير · 24 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة
دخل اليمن ناصرا، ولم يدخله من أنبوب النفط
سياسة

دخل اليمن ناصرا، ولم يدخله من أنبوب النفط

زَيد حمد جاء على صهوة حلم، لا محمولاً على ناقلة نفط، ولا على عقد توريد، كان اليمن يومها مرآة مكسورة للعرب، إمامة تقرأ القرآن بالمقلوب، وتجلد الفلاح باسم السماء،…

هيئة التحرير · 24 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة