من بنت جبيل 2000 إلى اليوم: نصر الله وربع قرن على خيار المقاومة
هيثم رمزي | ناشط في الحركة الطلابية الأردن شكّلت تجربة حزب الله في مواجهة العدو الصهيوني مساراً بارزاً في تطور نمط الحروب اللامتناظرة حول العالم؛ فمنذ نشأته في ظل الاجتياح الصهيون…

هيثم رمزي | ناشط في الحركة الطلابية الأردن
شكّلت تجربة حزب الله في مواجهة العدو الصهيوني مساراً بارزاً في تطور نمط الحروب اللامتناظرة حول العالم؛ فمنذ نشأته في ظل الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، بنى الحزب قدراته تراكمياً، وانتقل من تشكيلات مقاومة محدودة تخوض حرب عصابات إلى تنظيم ذي بنية مؤسسية واسعة، تتكامل فيها القدرات العسكرية مع العمل السياسي والخدماتي بمختلف الأطر الاجتماعية.
في عهد السيد الشهيد حسن نصر الله، الذي تولى الأمانة العامة عام 1992 بعد اغتيال السيد الشهيد عباس الموسوي، دخل هذا المسار مرحلة أوسع؛ فقد رسّخت قيادته البناء المؤسسي، ونمّت القدرات الدفاعية، معزّزاً بذلك حضور الحزب في الحياة السياسية والاجتماعية، وما رافقه من تحولات فكرية، مما انعكس على طريقة وآليات اتخاذ القرار وإدارة الموارد، فأتاح ذلك التعامل مع تحولات متلاحقة في طبيعة الصراع والبيئة الإقليمية. وعلى امتداد ثلاثة عقود، أرست هذه القيادة موقع الحزب فاعلاً رئيساً في المشهد اللبناني والإقليمي.
تبلور هذا المسار عبر محطات متعاقبة: من الصمود في عدوان «عناقيد الغضب» عام 1996 وما تلاه من «تفاهم نيسان»، وصولاً إلى دحر الاحتلال والانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان في أيار عام 2000. ومن بنت جبيل المحررة، ألقى السيد الشهيد في 26 أيار خطابه الشهير الذي عُرف بخطاب «بيت العنكبوت»، معلناً خيار المقاومة مساراً تاريخياً للأمة:
«ومن هنا، من بنت جبيل المحررة، أخاطب شعب فلسطين المظلوم المعذب المضطهد. يا شعبنا في فلسطين: مصيرك بيدك... إنّ طريقكم إلى الحرية، هو طريق المقاومة والانتفاضة، المقاومة الجادة والانتفاضة الحقيقية، لا الانتفاضة في إطار أوسلو، ولا الانتفاضة في خدمة المفاوض المتنازل في ستوكهولم... هذا النموذج اللبناني الراقي نقدّمه لشعبنا في فلسطين... إنّ إسرائيل هذه التي تملك أسلحة نووية وأقوى سلاح جو في المنطقة، والله هي أوهن من بيت العنكبوت!»
جاءت حرب تموز عام 2006، التي استمرت ثلاثة وثلاثين يوماً وانتهت بصدور القرار 1701، اختباراً واسعاً لقدرة الحزب على إدارة مواجهة مفتوحة مع جيش العدو الذي يتفوق عليه في الإمكانات النارية والتكنولوجية.
وقد اعتمد في ذلك على الجغرافيا والانتشار والمرونة، وعلى لامركزية القيادة الميدانية التي منحت الوحدات هامشاً لاتخاذ القرار ضمن الإطار العام، وهي سمة أثبتت فاعليتها في تلك الحرب وما تلاها، اختبر فيها العدو لأول مرة فعالية أنفاق المقاومة، ومفاجآت صواريخ الكورنيت، والدفاع عن الأرض من قرى وبلدات النسق الأول، خلافاً لكل ما اعتادت حركات المقاومة في عدم الاستقرار في الجغرافيا.
لم يكن التطور العسكري منفصلاً عن البناء الشامل؛ فقد تعامل الحزب مع المواجهة باعتبارها مساراً تاريخياً ممتداً، تتداخل فيه الاستعدادات القتالية مع المؤسسات السياسية والاجتماعية والإعلامية. ومكّن هذا الترابط من توزيع أدوات القوة، والاستثمار في الإنسان، والحفاظ على التماسك الداخلي تحت ضغط التحولات الميدانية.
ما كان لهذا البناء أن يستقيم لولا البيئة الحاضنة التي شكّلت عمقه الاجتماعي وخزّانه البشري والمعنوي. فمنذ سنوات التأسيس، لم يقتصر حضور الحزب على الجبهة، وإنما امتدّ إلى مؤسسات الخدمات الصحية والتربوية والاجتماعية، وإلى العمل الإنمائي والإعماري الذي برز بعد عدوان تموز 2006، حين باشر «جهاد البناء» مسح الأضرار في الضاحية والجنوب والبقاع، وتولّت مؤسسة «وعد» إعادة إعمار الضاحية، وتعهّد الحزب بدفع بدلات الإيواء والأثاث للمتضررين. وتكرّر المشهد بعد عدوان 2024، حيث احتضنت البيئة النازحين وباشرت فرق «جهاد البناء» إحصاء الأضرار، في تعبير عن شبكة تكافل اجتماعي سبقت أي حلول رسمية. وقد عزّز هذا الحضور الثقة المتبادلة بين المقاومة وناسها، وجعل من التضحية مساراً مشتركاً لا عبئاً يُلقى على فئة دون أخرى، فصارت البيئة شريكاً في الصمود لا مجرد متلقٍّ للحماية.
إلى جانب الميدان والمجتمع، أدار الحزب معركة الوعي بوصفها ساحة ردع موازية. فقد أدرك مبكراً أن الصورة والكلمة تفعلان في معنويات العدو وجبهته الداخلية ما لا يفعله السلاح وحده، فبنى إعلاماً حربياً قائماً على المصداقية، وجعل من الخطاب المتلفز أداة تثبيت للجمهور وتوجيه للعدو في آن. وفي حرب تموز 2006 اقترن الوعد بالفعل، حين أعلن السيد الشهيد مساء الرابع عشر من تموز، على الهواء مباشرة، استهداف البارجة الصهيونية «ساعر 5» قبالة بيروت، فاشتعلت أمام الشاشات، واعترف العدو بمقتل أربعة من جنوده، وأبعد قطعه البحرية عن الشاطئ اللبناني، فترسّخ في الوعي العام أن ما يقوله الحزب يحدث. ومنذ ذلك الحين غدت مشاهد العمليات ولقطات الاستطلاع وبيانات الإنجاز الميداني جزءاً من منظومة الردع، تُرسل رسائلها إلى الداخل الصهيوني المتشكك في قدرة قيادته على الحسم، كما تُحبط محاولات العدو احتكار الرواية وكيّ الوعي. ولذلك ظل الإعلام الحربي، ببعده النفسي والمعنوي، ركناً من أركان القوة لا ملحقاً بها.
يحتل البعد الفكري موقعاً مركزياً في فهم هذا النهج؛ إذ يستند خطاب الحزب إلى مرجعية عقدية تجعل من واقعة كربلاء ونهضة الإمام الحسين عليه السلام موقفاً أصيلاً لمواجهة الظلم والتسلط. تقاطعت هذه الرؤية مع التزام مبدئي جعل القضية الفلسطينية محوراً للهوية والمشروع التحرري، وتشكلت بينها شبكة من العلاقات والتنسيق تجمع قوى جبهة المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وإيران وسوريا آنذاك.
تجلى هذا الترابط عملياً بعد السابع من تشرين الأول 2023، حين دخل حزب الله المواجهة على الجبهة اللبنانية إسناداً لغزة، ضمن مسار إقليمي اتسعت فيه ساحات الاشتباك وتداخلت جبهاته. وبلغت المواجهة ذروتها في أيلول 2024 بموجة التفجيرات التي استهدفت أجهزة الاتصال، فاغتيال قيادات الصف الأول في الجسم العسكري للحزب، ثم اغتيال السيدين الشهيدين: حسن نصر الله في السابع والعشرين من الشهر نفسه، وهاشم صفي الدين بعدها بنحو أسبوع، وهو أشد ما واجهه الحزب في تاريخه. ورغم الضربات القاسية، أظهرت المنظومة قدرتها على استيعاب الصدمة: فانتقلت القيادة سريعاً بانتخاب الشيخ نعيم قاسم أميناً عاماً، واستمرت المواجهة حتى وقف إطلاق النار في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 في الحرب التي أسماها الحزب معركة «أولي البأس».
ما إن توقفت النار حتى جاء التحول الأخطر على المستوى الإقليمي: سقوط سورية في الثامن من كانون الأول 2024 بيد مجاميع إرهابية مسلحة، بعد أقل من اثني عشر يوماً على وقف إطلاق النار في لبنان. ليس ذلك حدثاً داخلياً سورياً فحسب، بل خسارة لعمق عربي طالما شكّل الرئة الجغرافية والسياسية لجبهة المقاومة. فقد كانت سورية، بموقعها وموقفها، حلقة الوصل بين محور المقاومة وساحاته، والممر الذي تعبر منه الإمدادات والخبرات، وبسقوطها انقطع طريق ارتبط بتاريخ طويل من التنسيق والدعم. ورافق ذلك استغلال العدو الصهيوني للفراغ بغارات مكثفة على القدرات العسكرية السورية وتوغل في أراضٍ جديدة، تأكيداً على أن المستفيد الأول من تفكيك الدولة السورية هو المشروع الصهيوني نفسه.
انعكس هذا التحول مباشرة على لبنان والحزب وحركات المقاومة. فقد باتت الجغرافيا تحاصر خطوط الإمداد والتوصيل، وتغيرت معادلات الحدود الشرقية والشمالية، وتضاعفت الأعباء على الحزب في تأمين السلاح والعتاد بوسائل أكثر تعقيداً وكلفة، مع تشديد الرقابة والضغوط على المعابر. ولم يتوقف الأثر عند الحزب، إذ طال حركات المقاومة في فلسطين، التي فقدت أحد أهم مسارات الدعم
والتواصل.
وفي مقابل ذلك، دفعت هذه الخسارة المقاومة نحو الاعتماد المتزايد على القدرات المحلية والتصنيع الذاتي، وعلى أسلحة قصيرة المدى يمكن إنتاجها وتطويرها داخل الساحة، وهو ما يفسّر بروز المسيّرات الانقضاضية في المعارك الأخيرة، كما تحدثت عنه الفقرات اللاحقة.
لم يضع وقف إطلاق النار حداً للمواجهة؛ فقد واصل العدو الصهيوني غاراته على لبنان يومياً رغم الاتفاق، ارتقى خلالها مئات الشهداء، ثم تجددت الحرب في الثاني من آذار 2026 تزامناً مع اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، وبدأت العمليات البرية للعدو في الجنوب في السادس عشر من الشهر نفسه. جاء دخول الحزب المعركة كمحاولة لاقتناص فرصة أن يكون الحل في لبنان ضمن معادلة إقليمية شاملة، ووعياً بطبيعة المعركة ومآلاتها. ضمن هذه الظروف، أصرت إيران على شمول وقف إطلاق النار في لبنان كشرط من شروط ترتيبات مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، فيما عملت السلطة في لبنان على مسار واشنطن الذي لم يلتفت لكل الخروقات التي ارتكبها العدو الصهيوني طوال الشهور التي تلت مسار تشرين الثاني 2024، وضرب بعرض الحائط كل الهدن المؤقتة، لعل أبرزها ما ارتكبه الصهاينة في عدوان الأربعاء الأسود خلال الثامن من نيسان الماضي، واحتلال جيش العدو عدداً كبيراً من القرى الجنوبية وصولاً إلى النبطية، بسبب أوامر السلطة السياسية بانسحاب الجيش اللبناني من نقاط تمركزه.
في قلب هذه المعطيات، يفرض طول النَفَس نفسه معياراً حاسماً في إدارة الصراع؛ فالقوة الدفاعية تجمع بين الثبات الميداني على خطوط التماس المباشرة، حيث دارت المعارك الفعلية، وكان السلاح الأكثر فاعلية فيها قصير المدى، وفي مقدمته المسيّرات الانقضاضية من طراز FPV؛ أما السلاح بعيد المدى فاقتصر دوره على الإسناد، إذ وسّع نطاق الاستهداف ودعم القتال القريب دون أن يحلّ محله. وفي هذا السياق، يرتبط إدراك طبيعة الصراع على الموارد والموقع الجغرافي للبنان، فتغدو القدرة الدفاعية، في هذا التصور، جزءاً من معادلة أوسع لحماية الأرض والثروات ومنع فرض مشاريع الهيمنة والتفكيك بالقوة.
من هنا تتحدد أركان النهج في هذه المرحلة: الصمود في وجه الاحتلال والضغط معاً، وصيانة التماسك المجتمعي، وحماية استقلال القرار الوطني، إلى أن يحسم الميدان والمفاوضات وجهة المرحلة المقبلة. ويبقى السلاح ركناً مركزياً في معادلة توازن الردع التي شيّدها الحزب، ودليلاً على ما أكده السيد الشهيد من بنت جبيل قبل أكثر من ربع قرن: أن الإرادة المنظمة قادرة على مواجهة التفوق العسكري وصون الكرامة والسيادة.
مقالات ذات صلة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت
عبدالكريم مسعود | كاتب ليبي حين أهان دونالد ترامب شعوب ليبيا واليمن والصومال وهايتي في أحد تجمعاته الانتخابية، لم يكن يستحضر مجرد قاموسه العنصري المعتاد، بل نظر…
هيئة التحرير · 29 أكتوبر 2026 · 8 د قراءة
من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل
زيد حمد من حيث المبدأ، لا يوجد شيء اسمه "انتخابات" عند العدو الصهيوني. ما جرى هو حفلة داخلية لتبادل الأدوار بين قتلة، يشرف عليها جمهور من المستوطنين، ليختاروا أ…
هيئة التحرير · 28 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة
التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ
الباحث شوكت السعدون الظاهرة الحدث في "حمود" ليست معزولة. بل اتت ضمن سياق منطقي متراكم غير عشوائي ،وعبر وحدة الزمن- التاريخ والمكان-الجغرافيا إنها نتيجة قانون "ا…
هيئة التحرير · 25 أكتوبر 2026 · 4 د قراءة
لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟
محمد خالد | كاتب عربي تجري غدًا جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة البرازيلية، إذ لم يحرز أي من المرشحين نسبة الـ50٪ في الجولة الأولى التي تخول من يحققها أن يكون…
هيئة التحرير · 24 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة