السعودية و المستنقع اليمني: بين وهم الوصاية وصلابة الردع
هيئة تحرير نبراس العربي تشهد الساحة الإقليمية جولة جديدة من التوتر، مع لجوء المملكة العربية السعودية إلى تشديد إجراءات الحصار الاقتصادي والعسكري على المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صن…

هيئة تحرير نبراس العربي
تشهد الساحة الإقليمية جولة جديدة من التوتر، مع لجوء المملكة العربية السعودية إلى تشديد إجراءات الحصار الاقتصادي والعسكري على المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء، بهدف إضعاف النفوذ الميداني والسياسي لجماعة "أنصار الله". غير أن هذا التصعيد يصطدم بواقع عسكري متغير، حيث أظهرت التطورات الميدانية تحولاً نفعياً في قدرات التسليح والردع لدى الجماعة مقارنة ببدء التدخل العسكري للسعودية عام 2015. وباتت صنعاء تملك منظومات بعيدة المدى أثبتت فاعليتها الإستراتيجية، سواء في الهجمات الممتدة ضد كيان العدو لمساندة أهلنا في قطاع غزة، أو في الاستهدافات الدقيقة للمنشآت النفطية والمطارات في المملكة و التي أسفر عن خسائر فادحة.
لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن المسار التاريخي للسياسة السعودية في الإقليم، والتي طالما اعتمدت آليات النفوذ المباشر وغير المباشر للحد من تبلور إرادة يمنية مستقلة. وقد تجلى ذلك مبكراً في محاولات إجهاض ثورة 1962، ومواجهة المد الجمهوري التحرري في جنوب شبه الجزيرة العربية عبر حرب استنزاف دامت ثماني سنوات، انتهت بالاعتراف القسري بالجمهورية. ولم يتوقف هذا الدور عند حدود المواجهة العسكرية، بل امتد لتعميق التجزئة الداخلية من خلال تغذية النفوذ القبلي والمراكز الفئوية على حساب قيام دولة عربية حديثة، قائمة على المؤسسات، والمواطنة العادلة، والسيادة الوطنية، وصولاً إلى صدامها المباشر مع القوى الوطنية والميدانية وفي مقدمتها حركة 'أنصار الله'.
ومع تفاقم الأزمة السياسية اليمنية في مارس 2015، أطلقت الرياض تحالفاً عربياً بدعم أمريكي فرض حظر شامل على المنافذ اليمنية وحربا عنيفة لضرب نفوذ انصار الله، مما أدى إلى تداعيات إنسانية وصحية واقتصادية بالغة المعاناة على السكان. غير أن الرهان السعودي على حسم سريع خلال أسابيع معدودة تحول إلى أطول وأعقد صراع خاضته المملكة. ومع استمرار المأزق، امتد تأثير الحرب إلى الداخل السعودي، فبعد اقتناع الرياض بفاعلية تفوقها الجوي، واجهت تحولاً في المعادلة العسكرية عبر نقل "أنصار الله" للمعركة إلى العمق السعودي.
فقد ردت صنعاء على إجراءات الحظر بتأثيرات مباشرة على خطوط التجارة عبر باب المندب، واستهداف المنشآت الاقتصادية والحيوية والموانئ الغربية للمملكة، مما فرض قيوداً على الصادرات النفطية التي تشكل عماد الميزانية السعودية. وعندما اتجهت السعودية لتصعيد الضغط عبر تقويض العمل بـ "مطار صنعاء" وقصفه في أكثر من مناسبة بدعوى استخدامه لنقل الأسلحة الإيرانية، جاء الرد مستهدفاً "مطار الرياض"، لفرض معادلة ردع جديدة تعلن شمولية بنك الأهداف وربط المطار بالمطار والضربة بالضربة.
وعلى الرغم من الوجود العسكري الأمريكي والدعم اللوجستي والتحالفات الإقليمية -مثل حلف مكة والتحالف العربي-، كشفت هذه المعركة عن حدود الرهان على غطاء الحماية الأجنبية، إذ بدا أن القواعد والأنظمة الاعتراضية الأمريكية أُنهكت بفعل الأزمات المتتالية في المنطقة ولا سيما المواجهة مع إيران. يُظهر هذا المشهد مأزقاً إستراتيجياً للرياض، حيث لا تقتصر الخسائر على استنزاف الموارد المالية والعسكرية، بل تطال استقرار نموذج "الرفاه والنمو" الذي اعتمدت عليه دول الخليج.
إن القراءة الباردة لمسار هذا الصراع تُبين خطأ الحسابات السعودية وعدم جاهزيتها لإدارة حرب استنزاف طويلة الأمد رغم ضخامة الإنفاق العسكري وحجم التحالفات، في مقابل قدرة الطرف اليمني على التكيف وفرض معادلاته الدفاعية والردعية. وفي نهاية المطاف، تصب هذه الحرب في خانة الاستنزاف الذاتي لإمكانيات الإقليم، دون أن تخدم سوى مصالح القوى الإقليمية والدولية المنافسة للأمة العربية.
مقالات ذات صلة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت
عبدالكريم مسعود | كاتب ليبي حين أهان دونالد ترامب شعوب ليبيا واليمن والصومال وهايتي في أحد تجمعاته الانتخابية، لم يكن يستحضر مجرد قاموسه العنصري المعتاد، بل نظر…
هيئة التحرير · 29 أكتوبر 2026 · 8 د قراءة
من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل
زيد حمد من حيث المبدأ، لا يوجد شيء اسمه "انتخابات" عند العدو الصهيوني. ما جرى هو حفلة داخلية لتبادل الأدوار بين قتلة، يشرف عليها جمهور من المستوطنين، ليختاروا أ…
هيئة التحرير · 28 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة
التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ
الباحث شوكت السعدون الظاهرة الحدث في "حمود" ليست معزولة. بل اتت ضمن سياق منطقي متراكم غير عشوائي ،وعبر وحدة الزمن- التاريخ والمكان-الجغرافيا إنها نتيجة قانون "ا…
هيئة التحرير · 25 أكتوبر 2026 · 4 د قراءة
لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟
محمد خالد | كاتب عربي تجري غدًا جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة البرازيلية، إذ لم يحرز أي من المرشحين نسبة الـ50٪ في الجولة الأولى التي تخول من يحققها أن يكون…
هيئة التحرير · 24 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة