سياسة

دخل اليمن ناصرا، ولم يدخله من أنبوب النفط

زَيد حمد جاء على صهوة حلم، لا محمولاً على ناقلة نفط، ولا على عقد توريد، كان اليمن يومها مرآة مكسورة للعرب، إمامة تقرأ القرآن بالمقلوب، وتجلد الفلاح باسم السماء، فكسر عبد الناصر الم…

هيئة التحرير··3 د قراءة·9331 قراءة
دخل اليمن ناصرا، ولم يدخله من أنبوب النفط

زَيد حمد

جاء على صهوة حلم، لا محمولاً على ناقلة نفط، ولا على عقد توريد، كان اليمن يومها مرآة مكسورة للعرب، إمامة تقرأ القرآن بالمقلوب، وتجلد الفلاح باسم السماء، فكسر عبد الناصر المرآة ليعيد جمع وجهنا المتشظي.

كان الدخول يومها عبوراً من الدم إلى الدم، فصنعاء التي نادت، لم تنادِ مستعمراً، بل نادت أخاها الذي يشبهها في الفقر وفي الكبرياء والملامح. كانت الجماهير تخلع إمامها كما تخلع ثوب العبودية، وكان الجيش المصري يمشي حافياً أحياناً، لكنه يمشي في طريق القوميّة، لا يبحث عن راتب في الرياض، ولا عن وديعة في البنك الدولي.

لقد كان الحقل يومها حقل كرامة، لا حقل نفط. والبارود الذي أشعله المصري في جبال مران وصعدة، كان يضيء وجه القاهرة كما يضيء وجه صنعاء، لأن العدو واحد، عقالٌ فالت مرصع بالذهب، وسيفٌ مسلول باسم الدين ضد الإنسان.

أما اليوم..
فانظر كيف انقلبت البوصلة حتى صارت تشير إلى قبرها.

تدخل مصر اليوم إلى اليمن، لا من باب صنعاء، بل من باب أرامكو. تدخلها لا كأخت كبرى، بل كحارس ليلي لمستودع النفط، تقف على بوابة الملك، تحرس أبراجه الزجاجية من غضب الحفاة الذين علمها جمال يوماً كيف يقرأون.

أي مفارقة يبكي لها التاريخ؟ الجندي الذي كان يقاتل ليخلع عقال الرجعية عن رأس اليمن، صار يقاتل ليضع العقال نفسه على رأس اليمنيين. صار يرفع بندقيته، لا في وجه قصر الإمام، بل في وجه كوخ الصياد في الحديدة، ووجه الطفل في صعدة الذي يحفظ نشيد "دع سمائي".

بالأمس كان الدخول تبريره أن العرب أمة واحدة، إذا اشتكى منها عضو في اليمن، تداعى له القلب في أسوان. واليوم تبرير الدخول أن الأمة شركة مساهمة، رئيسها في الرياض، ومحاسبها في واشنطن، ومن يتأخر عن دفع الاشتراك، يُقصف.

هناك، في الستينيات، كان المصري يموت في اليمن ويُكتب على قبره شهيد العروبة. وهنا، اليوم، يموت المصري على حدود جيزان، ويُكتب على قبره شهيد خط أنابيب، شهيد برميل ظل سعره مرتفعاً.

شتان بين دخولين، دخول كان يريد أن يحرر اليمن من السعودية، ودخول يريد أن يحرر السعودية من اليمن.

الأول كان يرى في اليمن امتداداً لميدان التحرير، والثاني يرى في اليمن امتداداً لبئر النفط.

الأول كان يقاتل مع الشعب ضد القصر، والثاني يقاتل مع القصر ضد الشعب.

الأول كان يزرع في اليمن مدرسة وجريدة ومستشفى، والثاني يزرع فيه قاعدة عسكرية تحمي القصر الذي كان الأول يهدمه.

فيا لذل اللغة حين تصير الكلمات نفسها خائنة، كنا نقول "الدفاع عن الأمن القومي العربي"، فكان معناها أن تحمي الفلاح اليمني من سيف الوهابي، فصار معناها اليوم أن تحمي الوهابي من غضب الفلاح اليمني.

لقد كان عبد الناصر يعلم أن الطريق إلى مكة لا يمر عبر الرياض، بل عبر صنعاء الحرة. أما من جاؤوا بعده، فباعوا الطريقين معاً، وأجّروا البوصلة.

ولم يبقَ من اليمن إلا اليمن نفسه، أبياً كما كان، يقاتل وحيداً كما قاتل الإمام من قبل، لكن هذه المرة، يقاتل الإمام الذي عاد في ثوب آخر، ثوب طويل أسود، تحته دولارات أرامكو، وفوقه غطاء من طائرات لا تحمل علم مصر، بل تحمل ثمن مصر.

شارك:

مقالات ذات صلة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت
سياسة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت

عبدالكريم مسعود | كاتب ليبي حين أهان دونالد ترامب شعوب ليبيا واليمن والصومال وهايتي في أحد تجمعاته الانتخابية، لم يكن يستحضر مجرد قاموسه العنصري المعتاد، بل نظر…

هيئة التحرير · 29 أكتوبر 2026 · 8 د قراءة
من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل
سياسة

من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل

زيد حمد من حيث المبدأ، لا يوجد شيء اسمه "انتخابات" عند العدو الصهيوني. ما جرى هو حفلة داخلية لتبادل الأدوار بين قتلة، يشرف عليها جمهور من المستوطنين، ليختاروا أ…

هيئة التحرير · 28 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة
التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ
سياسة

التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ

الباحث شوكت السعدون الظاهرة الحدث في "حمود" ليست معزولة. بل اتت ضمن سياق منطقي متراكم غير عشوائي ،وعبر وحدة الزمن- التاريخ والمكان-الجغرافيا إنها نتيجة قانون "ا…

هيئة التحرير · 25 أكتوبر 2026 · 4 د قراءة
لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟
سياسة

لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟

محمد خالد | كاتب عربي تجري غدًا جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة البرازيلية، إذ لم يحرز أي من المرشحين نسبة الـ50٪ في الجولة الأولى التي تخول من يحققها أن يكون…

هيئة التحرير · 24 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة