حين يصير الدم سؤالاً: العروبة والإسلام في امتحان غزة
هيثم رمزي | ناشط في الحركة الطلابية الأردن تظل الأسئلة الكبرى ماثلة أمام أصحابها، تطلب جواباً عنها عملياً ونظرياً. ومنذ السابع من أكتوبر 2023 يظل سؤال «ما الذي تعنيه نصرة فلسطين ح…

هيثم رمزي | ناشط في الحركة الطلابية الأردن
تظل الأسئلة الكبرى ماثلة أمام أصحابها، تطلب جواباً عنها عملياً ونظرياً. ومنذ السابع من أكتوبر 2023 يظل سؤال «ما الذي تعنيه نصرة فلسطين حين تتحول من قضية موروثة إلى جرح مفتوح تنقله الشاشات على مدار الساعة؟» يلحّ على من هم معنيّون به.
للدم لغة تسبق كل بيان. وحين يسيل بلا حساب، يتوقف عن كونه خبراً ويصير سؤالاً موجهاً إلى كل من يملك أن يفعل شيئاً، ومن هذه الفكرة يستمد المقال عنوانه ومساره.
أولاً: الدم ثمنٌ فادح وليس مادة تثقيفية
تتردد بعد كل مجزرة عبارة تبدو عزاءً: «على الأقل عرف العالم»؛ إذ تقوم على حساب خفي يجعل الشهداء كلفة مقبولة مقابل تحريك الرأي العام الغربي واستعادة مركزية القضية في عواصم كانت تنظر إلى جهة أخرى. هذا الحساب يختزل شعباً كاملاً في وظيفة تثقيفية.
حق الشعب المحتل في مقاومة محتله قائم بذاته، يستمد مشروعيته من وجود الاحتلال، وتعرفه تجارب الأمم التي خرجت من تحت الاستعمار. والعدالة سابقة على الخسائر، لا تزيدها كثرة الضحايا رسوخاً؛ حين يصير الوعي العالمي هو الحصيلة المعلنة، يتحول الحديث عن المكسب إلى غطاء مريح لمن لم يدفع شيئاً.
ويبدأ هذا الاختزال من اللغة؛ فالعبارة التي تحوّل الدم إلى مكسب، ومنها «على الأقل عرف العالم» نفسها، ابنةُ لغةٍ أوسع، تصف كل ما جرى دون أن تسمّي من فعله، وهذا ما نتتبعه في المحور التالي.
ثانياً: لغة تُسقط الفاعل
قبل أن تتحرك الجيوش، تتحرك المفردات؛ ففي النشرات والبيانات الرسمية «قُتل» مئات دون قاتل، و«تصاعد العنف» دون تبيين من صعّده، و«سقطت» منازل كأنها انهارت من تلقاء نفسها. هذه الصيغ ليست زلات أسلوبية، فهي تبني رواية يغيب عنها المسؤول، ويغيب معه سؤال المحاسبة.
تصنع هذه اللغة حياداً زائفاً يسبق الحياد في المواقف؛ فمن اعتاد وصف الجريمة بصيغة المجهول، سهل عليه أن يقف في المنتصف بين الجلاد والضحية، وأن يدعو «الطرفين» إلى ضبط النفس كأن الميزان متكافئ. وتسمية الأشياء بأسمائها أولى خطوات استعادة الموقف: احتلال وحصار وإبادة، ولكلٍّ منها فاعل معروف.
وما يبدأ في اللغة لا يبقى فيها؛ فاللغة التي تُسقط الفاعل تمهّد لسياسة تُسقط المسؤولية.
ثالثاً: الخذلان موقفٌ له نتائج
يُقدَّم الصمت العربي والدولي في الغالب على أنه غياب، والحقيقة أنه حضور له أثره. فحين تتقدم حرب بهذا الحجم أسبوعاً بعد أسبوع، وتقابلها المنظومة الرسمية العربية والدولية ببيانات تُعاد صياغتها وقرارات أممية تُعلَّق قبل أن تُنفَّذ، فإن هذه المنظومة تمنح آلة الحرب ما تحتاجه أكثر من السلاح: مهلة مفتوحة، وتُترك الضحية وجهاً لوجه أمام أعتى الترسانات. وكل يوم مر من دون ضغط فعلي وسّع هامش الحركة أمام الاحتلال، وحوّل الحرب من فعل مؤقت إلى واقع قابل للاستمرار.
نبّه خطاب الشهيد محمد الضيف، قائد أركان المقاومة، صباح السابع من أكتوبر 2023 إلى هذا المسار، إذ ذكر أن العالم لم يتحرك رغم ما أُهيب به؛ وسنعود إلى سياق الخطاب في المحور الثامن.
رابعاً: الخذلان خطرٌ على الأمن العربي والإسلامي
القضية ليست أخلاقية وحدها؛ فالجار الذي يُترك ليُباد ويُهجَّر لا تبقى مأساته محصورة داخل حدوده، بل يُنتج اضطراباً يعبر الحدود: موجات نزوح، تفككٌ في الجبهات، وفراغٌ تملؤه قوى لا تحسب حساب أحد. والمشروع الذي لا يواجه رادعاً حين يتوسع لن يتوقف تلقائياً عند حدود رسمتها الخرائط.
بهذا يصير الحياد الذي ظنته العواصم حماية لنفسها رهاناً مكشوفاً على أن الدور لن يصل إليها. وإذا كان هذا النهج يهدد الأمن الذي تدعي هذه العواصم حمايته، فما الذي أبقاه سياسةً معلنة؟ أبقته ازدواجية تُرضي الشارع بالكلام وتُرضي الحلفاء بالفعل. وهذا ما يجعل الخذلان أكبر من خطأ في الحساب؛ فهو نكثٌ لميثاق قديم بين شعوب جمعها اللسان والتاريخ والمصير والدين، وللعروبة والإسلام في هذا الميثاق معيارٌ يُقاس عليه الموقف.
خامساً: الشارع المأذون والغرفة المغلقة
أتاحت عواصم عديدة مساحات للتظاهر، وأبقت في الوقت ذاته سفارات الاحتلال مفتوحة الأبواب، صانت معاهدات التطبيع، وأمّنت الممرات والخطوط التجارية. وفي علم السياسة يُعرف هذا النمط امتصاصاً للغضب: يتحول الاحتقان القابل للتأثير في القرار إلى طاقة تتبدد في فضاء مأمون.
النتيجة أن النظام يحصد صورتين معاً: المتضامن أمام شعبه، والوفيّ لتعهداته أمام حلفائه، ويدين لسان الساحة فيما تُوقّع اليد في الغرفة المغلقة. وما يخشاه صاحب القرار هو ما يلي الاحتجاج، أي أن يتحول الهتاف إلى مساءلة، والميدان إلى ضغط على السياسة.
هنا يصبح السؤال أكثر تحديداً: ما الذي كان بيد هذه العواصم؟ كان بيدها أوراق كثيرة، وكان عليها قبل ذلك التزام تجاه أمة يُفترض أنها واحدة.
سادساً: أدوات الضغط المعطلة
تملك الدول العربية والإسلامية النفط والغاز، والممرات البرية والبحرية، والأجواء، وحركة التجارة، إضافة إلى السفارات وقنوات التمثيل والاتفاقات التي أبقتها قائمة. هذه الأخيرة هي في أصلها مسار تطبيع مرفوض من الأساس؛ لكن ما دامت العواصم تُبقي عليها، فأقل ما يُطلب منها أن تجعلها ورقة ضغط لا غطاءً للمحتل. والقصور الفادح أن هذه العواصم تعطّل حتى التدرج في استخدام أوراقها كأدوات ردع مرحلية: استدعاء سفير، ثم تجميد اتفاق، ثم تقييد ممر، ثم إغلاق أجواء، وهو مسار يفرض كلفة واقعية ويوقع خسائر مباشرة بالمعتدي.
المشكلة أبعد من انعدام الوسائل؛ إنها خيار التخلي التام عن توظيفها. فحين يعلم المعتدي سلفاً أنه في مأمن من أي عقوبات اقتصادية أو إجراءات سياسية تمس مصالحه الحيوية، يرى في مواصلة القتل سلوكاً معدوم الكلفة. وقد أثبتت سوابق الصراع أن المصالح المشتركة وحركة التجارة وأوراق الطاقة قادرة على تبديل حسابات الخصوم وإجبارهم على إعادة النظر في خطواتهم؛ ولذلك تتحمل العواصم التي تُبقي على مسارات التطبيع وتحتفظ بأوراق الضغط معطلة في أدراجها مسؤولية التمادي الحاصل.
وإذا عُطّلت أدوات الدول، فما الذي تملكه الشعوب، وإلى أين يبلغ مدى ما تملكه؟
سابعاً: سقف التضامن
المسيرات وحملات المقاطعة والتدوين الرقمي خطوات مطلوبة، لها قيمة معنوية ومادية في عزل الاحتلال وحفظ الذاكرة وتكوين الرأي العام؛ غير أن حصر وسائل التضامن بواسطتها يمنح صاحبه شعور الفاعلية دون كلفتها، وهو ما يجعلها عند الأنظمة وسيلة لامتصاص الغضب كما رأينا في المحور الخامس. فمواجهة مشروع بهذا الحجم تتطلب انتقالاً من التعبير عن الرفض إلى التأثير في المعادلة التي تحكم الصراع، وهي معادلة تحكمها القوة والمصلحة.
هنا يطرح أصحاب الخيار المقاوم سؤالهم: ماذا يبقى لشعب جرّب كل ما دون ذلك؟ والجواب في خطاب الضيف صباح السابع من أكتوبر، وأعرض فيما يلي سياقه.
ثامناً: سياق الخطاب وأحقية المقاومة
أقرأُ السابع من أكتوبر كحدث يفسّره واقعه السياسي والتاريخي المباشر؛ فالعملية انطلقت استجابة لجملة من الوقائع التي بلغت حداً غير قابل للاستمرار، ويقدم الخطاب أفقاً سياسياً مغلقاً: اقتحامات يومية للأقصى، ملف آلاف الأسرى المتروكين للإهمال الطبي في السجون بعد تعثر صفقات التبادل، مشاريع الضم والاستيطان في الضفة التي تسير برعاية الاحتلال وتحت غطاء التنسيق الأمني، وحصار مفروض على غزة منذ أكثر من ستة عشر عاماً. كل ذلك جرى بعد تحذيرات صريحة قوبلت بالتجاهل الدولي، وسط دعم غربي منح الاحتلال مظلة للاستمرار دون أي رادع.
ضمن هذا الواقع، وبعد أن استنفد المسار السياسي عقوداً من الزمن في التفاوض والمناشدة، دون أن يوقف مصادرة أرض أو يحمي أسيراً أو يرفع حصاراً، بل بمزيد من التوسع الاستيطاني والاندفاع نحو التطبيع على حساب الحقوق الفلسطينية، وفي ظل انسداد هذا المسار، يصبح فهم خيار المقاومة مرتبطاً لا بالرغبة في الحرب لذاتها، بل في إحداث انقلاب في الواقع السياسي الذي أغلق أبواب التغيير أمام الفلسطينيين، وحول الاحتلال إلى حالة دائمة لا يترتب عليها ثمن سياسي كاف.
على هذا الأساس تكتسب دعوة الخطاب للشارع العربي أبعادها العملية: كسر القيود والانخراط في الضغط الفعلي، أو الاعتصام المفتوح لمنع استخدام العواصم كغطاء أو جسر سياسي واقتصادي يستفيد منه المحتل. هنا تبرز القيمة الحقيقية للموقف؛ فالحديث عن الحقوق لا يُقاس بالاستعطاف، إنما بقدرة الشعوب على تحويل مواقفها إلى ضغط ملموس يغير الحسابات السياسية ويجعل للاحتلال ثمناً حقيقياً لا يمكن تجاهله.
خاتمة: من يُسأل؟
ماذا نعني حين نقول إننا مع فلسطين؟ إن كان المعنى الشعور والتعبير عنه، فقد تحقق ذلك دون أن يمنع القاتل عن المقتول. وإن كان المعنى مواجهة من يملك أدوات الفعل، فالطريق ما زال في أوله.
وفي العروبة والإسلام جواب هذا الطريق: حين تُستعادان التزاماً لا ذكرى، تصيران الإطار الذي يمنح الضغط السياسي والاقتصادي معناه، ويجعل الدفاع عن غزة دفاعاً عن مصلحة مشتركة.
هنا يتضح الإطار الجامع لكل ما سبق، فللعروبة والإسلام موضع لا يُستغنى عنه؛ فهما في أصلهما عقد بين شعوب تشاركت اللسان والتاريخ والمصير والعقيدة، وقامتا على أن جرح الطرف يُسمع في الأطراف كلها. وقد رُفعتا شعاراً في المؤتمرات وأُنشدتا في المناهج والأغاني، فلما جاء الامتحان تبيّن أنهما حاضرتان في الخطب غائبتان عن القرار. ومن ينتسب إلى أمة ثم يتركها وحدها حين يُطلب منه ما يتجاوز البيان، يُفرغ الانتماء من مضمونه.
والتاريخ، حين يُدوَّن، سيسأل كلاً عمّا ملك وما صنع به.
مقالات ذات صلة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت
عبدالكريم مسعود | كاتب ليبي حين أهان دونالد ترامب شعوب ليبيا واليمن والصومال وهايتي في أحد تجمعاته الانتخابية، لم يكن يستحضر مجرد قاموسه العنصري المعتاد، بل نظر…
هيئة التحرير · 29 أكتوبر 2026 · 8 د قراءة
من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل
زيد حمد من حيث المبدأ، لا يوجد شيء اسمه "انتخابات" عند العدو الصهيوني. ما جرى هو حفلة داخلية لتبادل الأدوار بين قتلة، يشرف عليها جمهور من المستوطنين، ليختاروا أ…
هيئة التحرير · 28 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة
التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ
الباحث شوكت السعدون الظاهرة الحدث في "حمود" ليست معزولة. بل اتت ضمن سياق منطقي متراكم غير عشوائي ،وعبر وحدة الزمن- التاريخ والمكان-الجغرافيا إنها نتيجة قانون "ا…
هيئة التحرير · 25 أكتوبر 2026 · 4 د قراءة
لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟
محمد خالد | كاتب عربي تجري غدًا جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة البرازيلية، إذ لم يحرز أي من المرشحين نسبة الـ50٪ في الجولة الأولى التي تخول من يحققها أن يكون…
هيئة التحرير · 24 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة