سياسة

حين يصبح الشك سلاحاً.. حكاية الشهيد حسين بزي «جبريل»

محمد صادق اليحياوي | باحث في العلوم السياسية في الحروب التي تُخاض اليوم، لم تعد الجبهات محصورة في الميدان، ولم يعد الاختراق يحتاج دائماً إلى عميل يحمل سلاحاً أو إلىشبكة تجسس تتحرك…

هيئة التحرير··18 د قراءة·15209 قراءة
حين يصبح الشك سلاحاً.. حكاية الشهيد حسين بزي «جبريل»

محمد صادق اليحياوي | باحث في العلوم السياسية 

في الحروب التي تُخاض اليوم، لم تعد الجبهات محصورة في الميدان، ولم يعد الاختراق يحتاج دائماً إلى عميل يحمل سلاحاً أو إلىشبكة تجسس تتحرك في الظلام. أحياناً يكفي أن تدخل قطعة إلكترونية واحدة إلى منظومة حساسة، وأن تمر عبر سلسلة طويلةمن الإجراءات من دون أن يلتفت أحد إلى ما تخفيه، حتى يصبح الخطر موجوداً في قلب المؤسسة من دون أن يظهر على سطحها. وفي هذا النوع من الحروب، تصبح المعرفة التقنية جزءاً من الأمن، ويصبح الشك المهني في لحظته المناسبة فعلاً دفاعياً قد يحميحياة الآلاف.


من هنا تبرز قصة الشهيد المهندس حسين محمد رياض بزي، «جبريل»، مسؤول قسم الدراسات الاستراتيجية في سلاح الإشارة،الذي وجد نفسه أمام مهمة تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها كانت تحمل أبعاداً أمنية شديدة الخطورة. وبتوجيه من الحاج مصعب، بدأجبريل دراسة أجهزة النداء التي دخلت إلى منظومة الاتصالات، ولم يتعامل معها على أساس أنها أجهزة وصلت عبر مسار يفترض أنهموثوق وانتهى الأمر، بل كان عليه أن يعرف ما الموجود داخل الجهاز، وأن يتأكد من أن كل مكوّن يؤدي الوظيفة التي يفترض أنيؤديها، وأن يفسر كل تفصيل لا يجد له تفسيراً منطقياً.


ومع الفحص، بدأت الأسئلة تتراكم. ظهرت مشكلة في الجهاز، وارتفعت الشكوك حول طبيعته، وبرزت داخل بنيته دارة إلكترونيةمجهولة الدور. ولم يكن وجود مكوّن غير مفهوم في جهاز اتصالات أمراً يمكن تجاوزه بسهولة، خصوصاً في بيئة مواجهة مفتوحة مععدو يمتلك خبرة طويلة في الحرب الإلكترونية والاستخبارات التقنية. بالنسبة إلى جبريل، كان ذلك كافياً لرفع مستوى الحذروالبحث عن وسائل أكثر دقة للوصول إلى الحقيقة. وقبل أيام قليلة من تفجيرات أجهزة النداء، كان قد وصل إلى خلاصة مفصليةمفادها أن هناك مشكلة في الجهاز، وأن مستوى الشكوك مرتفع، وأن هناك دارة إلكترونية لم يتضح دورها.


لكن جبريل لم يتوقف عند تسجيل الملاحظة، ولم ينتظر أن تتحول الشبهة إلى يقين كامل حتى تبدأ الإجراءات، بل طلب جهاز مسحخاصاً لمواصلة الفحص، ودفع باتجاه إرسال عدد من أجهزة النداء إلى إيران لإخضاعها لفحص أوسع، وبدأ بالتوازي سحب الأجهزةعلى نطاق ضيق، فيما توقفت عملية شحن بقية الكمية. وهنا بالضبط تظهر قيمة ما قام به «جبريل»، فالمعلومة الأمنية لا تكتسبقيمتها من وجودها داخل تقرير، وإنما من قدرتها على تغيير السلوك قبل وقوع الخطر. كان يمكن أن تبقى الشكوك داخل إطار تقنيضيق، وأن تستمر عملية توزيع الأجهزة إلى أن تظهر أدلة أكثر وضوحاً، لكن جبريل تعامل مع الشبهة باعتبارها احتمالاً أمنياً يستحقإجراءات فورية. وفي بيئة كهذه، يصبح تقليص عدد الأجهزة المنتشرة ووقف الشحن وإرسال عينات للفحص خطوات تتجاوز قيمتهاالجانب التقني بكثير.


وبحسب المعطيات المتداولة، كانت الخطة تستهدف إدخال نحو عشرين ألف جهاز، وكان نحو أربعة آلاف جهاز قد وصل إلى لبنان،فيما كان نحو 1300 جهاز قد وصل إلى تركيا. ومع بدء فحص الأجهزة وسحب بعضها ووقف شحن المزيد منها، بدأت مساحةالمناورة تضيق أمام العملية. لم يعد الخطر محصوراً في جهاز واحد، وإنما صار متعلقاً بمنظومة كاملة يجري اكتشاف ثغرة محتملةفيها، وكلما انخفض عدد الأجهزة التي يمكن إدخالها إلى المنظومة، وكلما ارتفع مستوى التدقيق، ازدادت احتمالات انكشافالعملية قبل اكتمالها.


وهنا يمكن فهم جانب أساسي من قصة «جبريل»: الرجل لم يكن أمامه ملف كامل يشرح ما يجري، ولم تكن كل حلقات العمليةواضحة أمامه منذ البداية. كان يملك مؤشرات، وكان يملك خبرته، وكان يعرف أن هناك شيئاً لا يتطابق مع ما ينبغي أن يكون عليهالجهاز، لكنه تعامل مع تلك المؤشرات بجدية وبدأ بتحويل الشك إلى إجراءات عملية. وهذه تحديداً هي الوظيفة الحقيقية للعقلالأمني: أن يلتقط الإشارة الضعيفة قبل أن تتحول إلى إنذار صاخب، وأن يتعامل مع الاحتمال حين يكون ما يزال قابلاً للاحتواء.


من هنا تصبح تجربة حسين بزي درساً مهماً في مفهوم الأمن نفسه. فالأمن الذي يقوم على الروتين وحده يصبح مع الوقت مكشوفاًأمام خصم يراقب الروتين ويتعلم منه. البروتوكول ضروري، والتسلسل الإداري ضروري، وقواعد التحقق ضرورية، لكن كل هذهالأدوات يجب أن تكون قابلة للمراجعة والتحديث. فالعدو لا يعمل وفق نسخة ثابتة من أساليبه، ولا يعيد العملية نفسها بالطريقةنفسها كل مرة، وإنما يراقب ويحلل ويتعلم من الأخطاء ويبحث عن نقطة جديدة للدخول. ولذلك فإن المنظومة التي تكتفي بتطبيققواعد قديمة قد تجد نفسها في مواجهة أسلوب لم تُصمم تلك القواعد لمواجهته.


إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المؤسسات التي تعمل في بيئة أمنية حساسة هو أن تتحول الإجراءات من وسيلة للحماية إلى قيديمنع الاستجابة السريعة. فعندما يكتشف خبير تقني مؤشرات غير طبيعية، يجب أن تكون هناك آلية واضحة تسمح برفع مستوىالإنذار وفحص المسألة بسرعة، من دون أن يضيع الوقت في طبقات بيروقراطية لا تضيف شيئاً إلى الحماية. وفي الوقت نفسه، لايمكن أن يتحول كل شك إلى حالة طوارئ، ولذلك تحتاج المؤسسة إلى بروتوكولات دقيقة تحدد درجات الاشتباه، وآليات الاختبار،والجهات المخولة باتخاذ القرار، وكيفية عزل العنصر المشكوك فيه، وكيفية فحص بقية المنظومة بحثاً عن مكونات مشابهة.


هذه المعادلة تحتاج إلى مؤسسة تعرف كيف تجمع بين الانضباط والمرونة؛ فالانضباط يحمي المؤسسة من الفوضى، والمرونةتمنعها من التحول إلى جهاز بطيء أمام تهديد سريع. وبين الاثنين يجب أن تتحرك الخبرة البشرية، خصوصاً خبرة المهندسينوالتقنيين والمتخصصين الذين يستطيعون قراءة التفاصيل التي قد لا تظهر في التقارير الإدارية.


قصة جبريل تضع هذه المسألة في مكانها الصحيح. فالرجل لم يكن يؤدي عملاً تقنياً منفصلاً عن المعركة، بل كان يعمل في قلبمنظومة اتصالات، وفي مواجهة عدو يعرف أن الاتصالات من أهم مفاتيح أي قوة منظمة. ولذلك فإن فحص جهاز اتصال لا يمكن أنيُعامل كعملية صيانة عادية؛ فمصدر الجهاز، وطريقة تصنيعه، ومكوناته، وتحديثاته، وسلسلة توريده، والجهة التي باعته، ومسارنقله، والاختلافات التي طرأت على مواصفاته، كلها عناصر تدخل في صلب الأمن.


وهذا يعني أن الأمن الحقيقي يبدأ قبل وصول الجهاز إلى يد المستخدم بوقت طويل. يبدأ من قرار الشراء، ومن التحقق من الشركةالمنتجة، ومن معرفة سلسلة التصنيع، ومن فحص الموردين والوسطاء، ومن اختبار العينات في مختبرات مستقلة، ومن إعادةالفحص بصورة دورية، ومن الاحتفاظ بقدرة تقنية محلية تسمح بتفكيك الأجهزة وتحليلها وفهمها من دون الاعتماد الكامل علىالجهة التي صنعتها أو باعتها.


وفي عصر الحرب التقنية، لا يكفي أن يكون الجهاز آمناً في يوم دخوله إلى المنظومة، بل يجب أن تبقى الثقة فيه قابلة للاختبار. فالمكونات يمكن أن تتغير، وسلاسل التوريد يمكن أن تتبدل، والمورد يمكن أن يصبح بوابة لاختراق أوسع، والتقنية التي تبدو آمنةفي مرحلة معينة قد تصبح لاحقاً نقطة ضعف. لذلك يجب أن تتحول المراجعة الأمنية إلى عملية مستمرة، لا إلى إجراء استثنائييُفتح فقط عندما تظهر مشكلة.


والأهم من ذلك أن المؤسسات التي تخوض مواجهة طويلة مع عدو متطور تحتاج إلى حماية خبرائها أنفسهم. فالمهندس الذييمتلك المعرفة التقنية الدقيقة ليس موظفاً يمكن تعويضه بسهولة؛ خبرته تتراكم عبر سنوات، وفهمه لتفاصيل المنظومة قد يكونجزءاً من منظومة الأمن نفسها. ولذلك فإن حماية الكفاءات العلمية والتقنية، وتأمين بيئة عملها، وإعطائها مساحة للتحقيقوالمبادرة، يجب أن تكون من أولويات أي مؤسسة تعمل في مجال الاتصالات والأمن الإلكتروني والحرب التقنية.


حسين بزي كان واحداً من هؤلاء. كان يعرف أن الجهاز ليس مجرد جهاز، وأن التفاصيل التي تظهر في داخله قد تكون أكثر أهمية منالصورة التي يقدمها خارجه. وحين ظهرت أمامه دارة مجهولة الدور، لم يضعها جانباً بحجة أن الجهاز يعمل، ولم يسمح للأداءالوظيفي الظاهري أن يغلق باب الأسئلة، بل كان يريد أن يعرف لماذا توجد هذه الدارة، وما الذي تقوم به، ولماذا ظهرت في هذاالجهاز تحديداً، وما الذي يمكن أن تعنيه بالنسبة إلى سلامة المنظومة كلها.


ذلك النوع من الأسئلة هو ما تحتاج إليه حرب العقول. فالعدو الذي يطور قدراته في الاختراق لا ينتظر حتى يجد أمامه ثغرة معلنة،وإنما يبحث عن الثغرات الصامتة، وعن العادات المتكررة، وعن الإجراءات التي لم تتغير، وعن المورد الذي لا يخضع للتدقيق الكافي،وعن المؤسسة التي تفترض أن ما كان آمناً بالأمس سيبقى آمناً غداً. ولهذا يجب أن يكون الأمن في حالة تعلم دائم، بحيث تتحول كلعملية إلى معرفة، وكل محاولة اختراق إلى درس، وكل خطأ إلى تعديل في البروتوكول، وكل تقنية جديدة إلى موضوع لاختبارمستقل.


وكلما تراكمت هذه المعرفة، أصبح من الممكن بناء منظومة لا تنتظر الخطر حتى يصبح واضحاً، بل تبحث عنه عندما يكون ما يزالفي مراحله الأولى. وهذا هو الفارق بين مؤسسة تكتفي بحماية ما تعرفه ومؤسسة تحاول باستمرار اكتشاف ما لا تعرفه، لأن أخطرلحظة هي اللحظة التي تشعر فيها المؤسسة بأن منظومتها أصبحت محصنة ونهائية وغير قابلة للاختراق.


لقد ترك «جبريل» وراءه مثالاً عملياً على هذا النوع من التفكير. لم تكن لديه كل الإجابات، لكنه امتلك ما كان ضرورياً في اللحظةالمناسبة: الشك والخبرة والقدرة على التحرك. رأى أن هناك ما يستحق الفحص، فطلب أدوات إضافية، ورأى أن الخطر يمكن أنيكون أوسع من جهاز واحد، فدفع نحو إرسال أجهزة للفحص، ورأى أن استمرار وصول الأجهزة قد يوسع دائرة الخطر، فبدأ سحببعضها وتوقف شحن المزيد.


هذه ليست تفاصيل ثانوية في قصته، بل هي قصته نفسها. إن قيمة حسين بزي لا تكمن فقط في أنه اكتشف خللاً تقنياً، وإنما في أنهفهم أن الخلل التقني، في بيئة حرب، قد يكون مدخلاً إلى اختراق أمني. وهذه الرؤية هي التي ينبغي أن تتحول إلى ثقافة مؤسسية: لاجهاز يدخل إلى منظومة حساسة من دون تدقيق، ولا مورد يُمنح ثقة دائمة، ولا بروتوكول يبقى ثابتاً لسنوات، ولا إنذار يدفن تحتثقل الإجراءات الإدارية.


لقد أثبت «جبريل» أن الفارق بين منظومة ترى الخطر ومنظومة تفاجأ به قد يكون وجود شخص واحد يملك الشجاعة المهنيةليقول إن هناك شيئاً غير طبيعي، لكن مسؤولية المؤسسة لا تنتهي عند وجود هذا الشخص، بل تبدأ من قدرتها على جعل صوتهمسموعاً، ومنحه الأدوات والصلاحيات اللازمة، وبناء منظومة قادرة على التحرك بسرعة عندما تظهر الإشارة الأولى.


فالعدو يتطور ويتعلم ويعيد بناء أساليبه بعد كل تجربة، والحرب التي نخوضها ليست حرب سلاح فقط، وإنما حرب معرفة واختراقوتكنولوجيا، تبحث فيها العقول عن العقول وتُختبر فيها قدرة كل طرف على اكتشاف ما يخفيه الطرف الآخر. وفي هذه الحرب، لايكفي أن نمتلك أجهزة حديثة، بل يجب أن نعرفها ونفهم مكوناتها ومسار وصولها، ولا يكفي أن نثق بالمورد، بل يجب أن نتحقق منه،ولا يكفي أن نضع بروتوكولاً أمنياً، بل يجب أن نختبره ونحدّثه باستمرار، ولا يكفي أن نكتشف الخطر بعد وقوعه، لأن المعيار الحقيقيللأمن هو القدرة على رؤيته قبل أن يصل إلى الناس.


وهنا يبقى اسم حسين محمد رياض بزي «جبريل» حاضراً بوصفه مثالاً على رجل رأى الإشارة في وقت كان يمكن فيه تجاهلها،وتعامل معها باعتبارها مسألة تستحق التحقيق والتوقف والحذر. رحم الله الشهيد المهندس حسين بزي، وجزاه عن المجاهدينخير الجزاء، ويبقى الدرس الذي تركه أثقل من تفاصيل أي عملية: في مواجهة عدو يتعلم ويتطور، لا مكان للأمن الساكن، فالأمنمعرفة متجددة، وشك دائم، وفحص مستمر، واستعداد دائم لتغيير القواعد قبل أن يغيّر العدو قواعد اللعبة.

شارك:

مقالات ذات صلة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت
سياسة

القذافي: الحلم الذي أرادوا له أن يموت

عبدالكريم مسعود | كاتب ليبي حين أهان دونالد ترامب شعوب ليبيا واليمن والصومال وهايتي في أحد تجمعاته الانتخابية، لم يكن يستحضر مجرد قاموسه العنصري المعتاد، بل نظر…

هيئة التحرير · 29 أكتوبر 2026 · 8 د قراءة
من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل
سياسة

من حيث المبدأ: الخل أخو الخردل

زيد حمد من حيث المبدأ، لا يوجد شيء اسمه "انتخابات" عند العدو الصهيوني. ما جرى هو حفلة داخلية لتبادل الأدوار بين قتلة، يشرف عليها جمهور من المستوطنين، ليختاروا أ…

هيئة التحرير · 28 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة
التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ
سياسة

التكفير : من تمكين وتنظيم الى فعل وتنفيذ

الباحث شوكت السعدون الظاهرة الحدث في "حمود" ليست معزولة. بل اتت ضمن سياق منطقي متراكم غير عشوائي ،وعبر وحدة الزمن- التاريخ والمكان-الجغرافيا إنها نتيجة قانون "ا…

هيئة التحرير · 25 أكتوبر 2026 · 4 د قراءة
لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟
سياسة

لماذا نهتم بالانتخابات الرئاسية في البرازيل؟

محمد خالد | كاتب عربي تجري غدًا جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة البرازيلية، إذ لم يحرز أي من المرشحين نسبة الـ50٪ في الجولة الأولى التي تخول من يحققها أن يكون…

هيئة التحرير · 24 أكتوبر 2026 · 3 د قراءة