محمد خالد | كاتب عربي
"-بدي تشوفولي عمل
*إنت في إيش ولا إيش؟!
-بدي نرتب شغل"
للوهلة الأولى التي تقرأ فيها الحوار أعلاه - المختصر بتصرّف-، قد يتبادر إلى ذهنك أن صاحبه يسعى للحصول على وظيفة في مكتب أو مصنع، لكن أبا خالد الضيف، رضوان الله عليه، كان يعني بالعمل والشّغل أن يخطف جنديّا صهيونيّا!
خلال أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مع نشأة حركات المقا.و.مة الإسلاميّة، لم يتسنّ لها الحصول على الوفرة الماديّة التي تمتعت بها التنظيمات القومية واليسارية، فالمناخ السياسي تغير جذريا مع انهيار الاتحاد السوفييتي، كما لم تتيسر لها سهولة الحركة، إذا ما أخذنا في الاعتبار أنها نشأت داخل الأرض المحتلّة، تحت عين العدو ومراقبته.
لكن الفكرة على صعوبتها تصبح قابلة للتحقق إذا ما كان حاملها مؤمنا بها، متفانيا وفيّا لها، وفي حالة كتائب القسّام، بدأ الأمر بحيازة سلاح فردي من جندي صهيوني مخطوف، وصولا للحظة الفارقة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني، ممثلة بطوفان الأقصى.
الوثائقي الذي عرضته الجزيرة قبل بضعة أيام، لا يتحدث فقط عن قائد الأركان، الشهيد محمد الضيف "أبو خالد"، بل عن تاريخ موجز يقدّم رواية نشأة كتائب القسّام، برواية الضّيف نفسه، ولأنه واكب جلّ هذه المراحل، تختلط سيرته بحكاية القسّام كتنظيم عسكري محترف.
وإذ نتحدث عن أهم المحطات في تاريخ القسّام، لا بد من ذكر حدث مفصلي سكت الوثائقي عنه، وهو اللقاء الذي جمع القادة المبعدين في مرج الزهور - جنوب لبنان، مع الشهيد القائد محمد سعيد إيزادي (الحاج رمضان)، الذي اغتاله العدو الصهيوني في حرب الاثني عشر يوما (الوعد الصادق 3) العام الماضي. لم يكن لقاءً بالمعنى الحرفي، بل إقامة متواصلة امتدت لأكثر من عام، انعكس فيها تأثير الحاج رمضان - رفقة الشهيدين القائدين قاسم سليماني وعماد مغنيّة- في تحقيق هدف مركزي: "تعزيز قدرات المقاومة وتطويرها في فلسطين"؛ وفيه يقول رئيس حركة حماس، خليل الحيّة، أن الحاج رمضان لم يكن حليفا من بعيد، بل واحدا منّا.
في نفس الفترة، كان الضيف يتتلمذ على يد عماد المقاومة وعقلها، الشهيد عماد عقل في غزّة، وفي الوثائقي مرت صورة الجيب العسكري المحترق، حيث ترتمي جانبه جثة جندي صهيوني، مؤرّخة لعملية مسجد "مصعب بن عمير" الشهيرة في قطاع غزّة، والتي حمل فيها الشهيد عقل، لقب الأسطورة، على لسان رئيس وزراء العدو آنذاك، البائد رابين.
ولأنها المقا.و.مة، لم تثنها عوائق الجغرافيا في أن تصل ساحة غزّة بساحة الضّفة، حيث التقى الضيف بالمهندس رقم 1، يحيى عيّاش، وهناك بدأت مرحلة مهمة في تاريخ العمل المقاوم: العمليات الاستشهادية في قلب بلدات العدو، ومع اغتيال العيّاش بعملية شبيهة بتفجيرات البيجر واللاسلكي، انطلقت شرارة عمليات "الثأر المقدس" التي قادها الضّيف مع البطل حسن سلامة، الأسير حاليا في سجون العدو الصهيوني.
استمر قادة القسام في البحث عن شغل وعمل، ومع تحرير الجنوب عام 2000، اندلعت انتفاضة الأقصى، وبمرور السنوات وتفكيك المستوطنات في القطاع، نقل القسّام تجربة صناعة الصواريخ، ومن" قسّام 10" و"جعبري 75" وصولا إلى "عيّاش 250" مسافة زمنيّة، ومعابر مغلقة، وبداية حكاية الأنفاق، ثم عشريّة سوداء أسموها "ربيعا عربيّا"، وحرب اتسعت لتطال قواعد الإمداد اللوجستيّ، في سوريا تحديدا، وجنون مسعور على اليمن، وإرهاب في العراق، وتطبيع فج. مدٌّ وجزر خرجت منه جبهة المقا.و.مة متماسكة، رغم التضحية الجسيمة، أما غزّة التي كانت رأس الحربة بقيادة الضيف، ظلت تعود لتذكّر الناس من معها ومن ضدّها في محطات فارقة: الفرقان 2009، حجارة سجّيل 2012، العصف المأكول 2014، سيف القدس 2021، وحدة الساحات 2022، ثم ثأر الأحرار بعدها بشهور، وصولا للطوفان (طوفان الأقصى).
ولَإنْ كان الفرقان فاصلا بين الحق والباطل؛ فإن الطوفان في سياق حكاية المقا.و.مة، يجرف الباطل؛ ليعمّ الحق بعده، وهذا معنى الجدوى المستمرّة. عندها سيتسنّى للمقا.و.مة كتابة الفصل الأخير من سيرتها، بعنوانه: النّصر الموعود.
رحم الله شهداء المقا.و.مة في كل ساحتها.





