قراءة "إنطباعية وشخصية" في رواية بداية أداجيو إن صول ماينور(الجزء الأول من ثلاثية بريزم/موشور)
جنى مشلب| كاتبة لبنانية لن تكون هذه المراجعة منهجية أو نقدية إنّما مراجعة انطباعية عن رواية بداية: أداجيو إن صول ماينور، وأنا جنى، ككاتبة، قارئة، ومتدرّبة في ورشة الكتابة الإبداعية…

جنى مشلب| كاتبة لبنانية
لن تكون هذه المراجعة منهجية أو نقدية إنّما مراجعة انطباعية عن رواية بداية: أداجيو إن صول ماينور، وأنا جنى، ككاتبة، قارئة، ومتدرّبة في ورشة الكتابة الإبداعية.
يكمن سحر المعلّم، الأستاذ، والكاتب (بهذا الترتيب) عبدالرحمن جاسم في الأثر الذي يخلقه قبل، خلال، وبعد قراءة مقاطعه. فما بعد الرواية ليس كما قبلها وهذا ما دفعني لكتابة هذا المنشور والذي سيتخلله بعض الأشياء الخاصة ولكن الحقيقية.
هناك في داخلي، داخل جنى، شخصيتان؛ شخصية مفترسة توّد ضرب الجميع (وإن لفظيًا) وأُخرى تريد التعاطف مع الجميع ومبادلتهم الكثير من اللطف. وللعلم كلاهما مهذب حتى تلك الشريرة في بعض الأحيان .متى اكتشفنا هذا؟ خلال ورشة الكتابة الإبداعية التي حتى هذه اللحظة أكون قد أتممت عامي الرابع وكمتدربة لدى DAR - The Creative Hub - دار المجمّع الإبداعي. فضلًا عن هذا فإن مشاعري تؤلمني (هذا تعبير حقيقي وغير مجازي) ولعلّ هذا هو السبب في كوني كثيرة الانفعال. تأتي انفعالاتي الايجابية والسلبية حادة جدًا. تلك التي تُظهرها وتُفجّرها الشخصية المفترسة حادّة وتلك التي تخفيها الشخصية الألطف تملك نفس التأثير. خلال الحصص التي كان يقرأ لنا فيها الأستاذ بعضًا من المقاطع التي كان يعمل عليها في ساعات متأخرة والتي تأتي مسبوكة إلى حد مدهش نسبةً لشخص كتبها في الثانية بعد منتصف الليل لإنشغاله بصفوفه نهارًا و مشاريعَ أخرى. حينها كنت أنفعل بشكل مبالغ فيه وأغضب، أحيانًا أبكي. تشاجرت مع زملائي لأنهم لم يوافقونني الرأي الداعم لشخصية يسار. يسار الإمتداد لوالدها أبو يسار والتي تفرض حضورها أينما حلت بوشمٍ لافت على كتفها ومنطقها وكلامها بصوتٍ مرتفع وهجوميّ أحيانًا. فعلتُ كل هذا داخل الصف ولا أخفي أنني قلت في نفسي بعض المرّات "خلص خفيها جنى شو أهلك هني لتنهاري عليهن هالقد؟ والله مبينة كتير دراما وعم تعمليها قصدًا قدام العالم..كلّن شخصيات رواية". الآن أريد مهاجمتي لأنني ذكرت التعبير الأخير.
ليس سرًا. فصاحب الرواية الاجتماعية أخبرنا بأن هذه الشخصيات مزيج من أُناسٍ حقيقيين وتجارب حصلت معه أو كان شاهدًا على حصولها مع أحدهم. بِخلاف المدركة والتي سمحت لي بأخذ نفس عميق يسمح لي بإكمال نهاري بعد انهائي الرواية بدلًا من الحزن او القلق لمدة أسبوع إضافيّ بل على العكس! ورد فيها بجانب شخصيات الرواية، أبطال حقيقيين أحببناهم في يومٍ ما. لم تعد يسار مُعضِلتي كما كانت قبل نشر الرواية بشكلها الحالي وتوقيعها في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب -والذي كان ناجحًا جدًا وبحسب الاحصاءات فإنها الرواية الأكثر مبيعًا آنذاك- بتقنيتيّ ال foreshadowing ونثر الأرز أخبرنا الكاتب عن التغييرات التي ستصيب مجرى حياتها وبالفعل قد صدمتني كما كانت لتصدم والدها الشيوعي. إقتنعتُ بأنها نتيجة لما فعله الشبان الثلاثة ضمن حلقة الصداقة التي كانت في أولى الفصول (بانديرس، عبد الموجود، وإحسان). "هني تخلّوا عنها وخلوها تصير بهالحالة وتاخد هيك قرارات" جنى اللطيفة علّقت. أما المفترسة وبعد قراءة الرواية فيما يقارب الثلاثة أيام دفعةً واحدة أردفت :" ما هني مسكوها وعذبوها واجبروها تتجوز واحد ما بيشبهها وما بتحبه على أساس! عادي كان فيها تبقى لحالها. وبعدين حتى لي اخدته ما كان سيء معها وما اذاها ولا قلل احترامها. وجابت بنت. يعني عملت عيلة بإرادتها. خفّي تعصب عليها."
هل ستقرأ جنى المفترسة الرواية بموضوعية؟ كلا. بل قرأتها بحدّة أكثر من جنى الأولى. لم تبكِ. لم "تُزعوط" ولم تخبر أحدًا بأنها تقرأ.
والخلاصة: إنها الرواية الأكثر إدهاشًا. لأن الشخصيات بسيئاتهم وحسناتهم امتداد لمهارة أستاذي. مُركّبين ليسوا سطحيين ولكن ليسوا أبطالًا. كنت أتمنى لو أن أحدهم لعب دور البطل وأنقذهم ثم أنقذني من ألم مشاعري الوجودي لكنها لما كانت لتكون بهذه الروح الحقيقية. يسار شخصية مُركبة حاولت حمل كل توقعات والدها بداخلها وأفكاره وارتدت شخصية الذكر في بعض الحالات رغم انها امتلكت قدرة التحول إلى أنثى رقيقة المظهر. لكنها ركّبت طريقة مشيها، جلوسها وكلامها وشيوعيتها وإن لم تُفرّق بين البرجوازية الكبرى والصغرى. لكنها مندفعة وشجاعة، تعرف كيف تُحبّ.
أحسان بدوره "حكيم ومثقف المجموعة" مزيج من الروايات، النظريات، الأفلام والمسرحيات، حتى مباريات كرة القدم والسلة وكل هذا قد تم ذكره إمّا في يومياته التي دوّنها، حديث داخل عقله، او نقاش مع رفاقه الذي لا ينتهِ دون حكمة منه حفظها الآخرون واستعملوها حتى بعد أن تفرقوا. وقد تم شرح العديد من المبادئ او الاعمال الفنية، الروائية والشعرية في الحاشية السفلى من قبل الكاتب حتى أنه فصّل لنا جميع أنواع الحبّ لغويًا. أتت هذه الشخصية أيضا بتركيب مشاكل الطبقة الغنية والمرتاحة ماديا التي أتى منها إحسان والتي سببت له ظاهرة الكآبة بحسب تشخصيه العلمي.
أمّا بانديرس العاشق اللاتيني فهو سطحي فعلي بإعترافهم جميعا لكنه مع هذا أظهر جانبا يفّرق بين السطحية والغباء أو الكسل. إذ أنه متابعٌ نهِمٌ للمانغا والأنمي (حيث سيلتقي بأحد الشخصيات الجديدة المُبهرة في وعيها ودهاءها). لم يستطع أن يكون مُركَب الشخصية، فأصبح مُركب الشكل. شكله الخارجي طبقات layers من اختياره لاسمه المُعتمد، لقبه، صفاته الأبرز، لون شعره وتسريحته الخاصة وصولًا إلى التكساس بوتس. سيتسنى لكم تخيل هذه الشخصية بفعل التسليع والتتبيل الدقيق والمتطور للكاتب وفي حال لم يكن هذا كافيًا تابعوا منجد الصور! تم التعليق مرارا على قدرة بانديرس على حفظ او استنباط معلومة وإن بدا على مظهره بأنه لا يفقه شيئًا. لكن هذه القدرة سمحت له بتعلم أحد مهارات إحسان وطبّقها في أحد أهم مشاهد الرواية ال peak. ماذا فعل؟ سكت. سكت ومضى وبالفعل أنقذ نفسه وإحسان وعبد الموجود من الدمار الكلّي وإن حصل ذاك الجزئي. (نهاية فصل جهة القلب ص227)
وحده عبد الموجود بجميع الأسماء التي أختارها جاء غير مركّب. هل هذا خطأ أو معيب؟ كلا لكنه حال به للوقوع. للوقوف على البلاط او الأرض ذات اللون الداكن في صورة الغلاف. الرسم الذي يعطي الشخصيات حقها ويعطي المكان أيضا روحه وزمانه الذي يوحي بأن الأحداث خلف هذه الصورة خلال سنوات الألفين و"طعش". بلونيه المعتمدين: أصفر وكحلي وبعض الاضافات الضرورية وحيث يمتد الى الجهة الخلفية للكتاب. أحببت شخصية عبد الموجود جدًا. أصبحت أنتظر مقاطعه التي تفنن الكاتب في جعل نقلاته من شخصية إلى أخرى سهلة وسلسة دون حاجته لوضع قواطع دائما إذ أن كل شخصية لها لغتها وأداؤها الخاص الذي يسهل تخمينه. جاءت خيباته متتالية ثقيلة وعلى أصعدٍ عدّة لتنتهي بخيبة اختياراته. هو لم يقم بأي من القرارات في العادة. وجد نفسه في معارك ومواقف وفرص مختلفة، حتى أنه وجد دموع أنثى على كتفه فجأة ولربما هذا الذي جعله لا منتمٍ. في المرة الوحيدة التي قرر اتخاذ قرارٍ مصيري كان يتطلب شجاعة (شجاعة سلبية): الانضمام الى سلكٍ اسلاميٍ تكفيريٍ بعض الشيء. وإن لم يخبرنا الكتاب بهذا بشكل مباشر، بل عمد إلى تقديم الأمر بشكل تدريجي كوصفه لخطوات عبد الموجود في ايجاد اسم جهاديِ حركيّ. ظننت بأن حزن عبد الموجود وإحسان مرتبط بحبهما ليسار فيما هي احبّت بانديرس الذي أحب الجميع بخلافِها. في الوقع أحبّها بجميع الطرق إلّا الشغف. لكنني عدت واكتشفت بأن مشكلته أتت وراثية من جدته سعدية التي وصفها بكونها "طيبة، محبّة، مسكينة وحظها عاثر" وبأنه لم يجد تركيبته الخاصة، حتى لم يجد اسمًا ليرضى به. تمنيت لو كنت يسار كي أُُصلح علاقتي به علّه يتراجع عن هذا. أتوقع بأنه في كلتا الحالتين لما كان ليقف معي أسواء كنت جنى أو يسار كوننا سافرات المظهر (لا نرتدي حجابًا). أحد مقاطعي المفضلة تلك حينما صارح عبد الموجود إحسان كما يراه، كما يراه حقًا بأزماته ومشاكل البرجوازية التافهة في فصل "تقاطعات" . آلمني وصفه بال"قمّام" لكنه كان وصفًا دقيقًا.
أمّا أنا، المفترسة، حين قرأت جمل إحسان التالية : "هروبا من صداقات لا أعرف إن كنت أريد إكمالها أو الحفاظ عليها/
تعبتُ من مشاركتي حيوات الآخرين وتجاربهم ومعرفتي بها" وددت لو أصفعه وأُخبره بأنه المسؤول عن كسرة يسار لا المشهد الجلل والانفجار بينهم في فصل جهة القلب وعندما قرر استبدال أصدقائه بفكرة كتابته رواية خاصة أردت أن أعلّق بإستهزاء" بتحب ناخدلك عرزال خاص كرمال ما تتعب نفسيتك من العالم؟".
جاء فصل "لربمّا" كالكسرة، كسرة الأبطال وإن extreme كل شخصية تدرج في الفصول اللاحقة إلّا أنه حمل معنىً مختلف ومشاعر خيبة غير ظاهرة بخلاف فصل "الانتظار، تقاطعات، أو مسافة" حيث طغت النتائج. أسعدني بكاء وحزن بانديرس ص (367). تيقنت بأنه في الأجزاء اللاحقة سيعود ويرمم علاقته بهم لأن بكى. بكى لثقل بُعدهم بخلاف إحسان. لاحقًا سيبكي لكنه متأخر نوعا ما وهذا نوعه. ولا يمكنني التحكم بأنواع الآخرين.
رواية داخل رواية؛ بين فصول رواية بداية، يوجد فصل لرواية أخرى تُدعى "عالم لميس" من تأليف شخصية إحسان. هو تداعي حر وليس برواية لا بل وأنه نص ضعيف. فبالرغم من ثقافتة العالية و قدرته على حفظ الكثير من المعلومات وإلمامه بنظريات وشخصيات متعددة كان يجب أن يكون نصّه أقوى وأسبك أو على الأقل فيه فائدة ومعلومات أغزر لكنه لم يخضع لأي ورشة كتابة إبداعية.
Strauss: Death and Transfiguration هي موسيقاي المفضلة والخاصة بالفصل التاسع: أبواب مشرّعة. من أين ظهرت؟ نعم انها رواية جدّ متطورة. لكل فصل قطعة موسيقية خاصة به تشببهه وتحاكيه مع شرح بسيط عن تاريخ المعزوفة ومؤلفها أيضا أي أنه جهد حثيث وساعات عمل طويل للكاتب. في هذا الفصل بدأت أحداث خاصة تنكشف بشكل بائن، كعلاقة يسار بزوجها وانفعلاتها المرعبة وتوجه بانديرس الجديد. فتشعر بأنه عليك الإسراع في القراءة والركض لتعلم أين ستودي بك الاحداث. تماما كالمعزوفة التي ستبدأ برفع سرعتها ونمطها عند الدقيقة 5:30.
مقدمتان، ملحوظة تقنية، مراجع ومصادر، منجد صور وشكر خاص لشخصيات محببة ظهرت مثل الحاج أسعد حمّود والمبدع أسلوب (الذي نحبه ونحب الموسيقى التي يصنعها)، الفنانة السورية الشجاعة والقديرة سُلاف فواخرجي.
لم ينسى الكاتب/المدرّب كذلك شكر نون؛ الأستاذة تهاني نصار، نون روحه التي تابعت هذه الرواية والشخصيات فأحبّتهم وعملت على إخراجهم إلى الواقع بكل ما أوتِيَت من قوة، فخرجوا وأبدعوا فأحببناهم وعشنا تفاصيل حياتهم وتعاطفنا معهم وحتى كرهناهم في لحظاتٍ ما لكونهم "واقعيين" للغاية
مقالات ذات صلة

في معرض ريما البشير تمظهرت المعاني صرخة
زَيد حمد تدلف، فتقع في وعي اللون. بلاط صغير مستدير مرصوف كحبات مسبحة انفرطت عقدها. أبيض كالملح، وأصفر كقمح منسي في بيدر، وأحمر كبذر بطيخ، وأسود كحبة بركة، ورماد…
هيئة التحرير · 1 نوفمبر 2026 · 5 د قراءة
19 رواية تستحق القراءة من العراق، السودان، تونس، ليبيا والجزائر
د. تهاني نصّار وعبدالرحمن جاسم قبل عامين تقريباً، وقبل الحرب الثقيلة القاسية والمتوحشة التي لا زالت مستمرةً على لبنان، بدأنا نون الروح وأنا في مشروع "الريجيم ال…
هيئة التحرير · 6 أوت 2026 · 20 د قراءة
حين يصبح الطريق بيتًا ايهما أهم، الطريق ام المنزل؟
أحمد المحمود في العادة، وفي أغلب الأعمال الأدبية، يكون الهدف أو نقطة الوصول هو ما ننتظر حدوثه، لنرى إن كان البطل أو البطلة سيبلغه. ولكن ماذا لو لم يكن الهدف هو…
هيئة التحرير · 4 أوت 2026 · 3 د قراءة
19 قصةٌ قصيرة عربية حكت المقاومة
د. تهاني نصّار وعبدالرحمن جاسم أحبَّ الشعب العربي القصص للغاية، فروى الكثير، وكتب الكثير، وترك أثراً على الجدران منذ بدء الخليقة وحتى اليوم. تروي آثار المنطقة م…
هيئة التحرير · 31 جويلية 2026 · 16 د قراءة