ثقافة

في معرض ريما البشير تمظهرت المعاني صرخة

زَيد حمد تدلف، فتقع في وعي اللون. بلاط صغير مستدير مرصوف كحبات مسبحة انفرطت عقدها. أبيض كالملح، وأصفر كقمح منسي في بيدر، وأحمر كبذر بطيخ، وأسود كحبة بركة، ورمادي كرماد تنور قديم. ه…

هيئة التحرير··5 د قراءة·11079 قراءة
في معرض ريما البشير تمظهرت المعاني صرخة
زَيد حمد

تدلف، فتقع في وعي اللون. بلاط صغير مستدير مرصوف كحبات مسبحة انفرطت عقدها. أبيض كالملح، وأصفر كقمح منسي في بيدر، وأحمر كبذر بطيخ، وأسود كحبة بركة، ورمادي كرماد تنور قديم. هذا ليس بلاطا، هذه أرض. أرض بيت لم يعد بيتا، بيت هجروه في يافا وبقي بلاطه يشهد. عليه قيامتان واقفتان. فتاة قميصها أبيض وفي صدرها شق أحمر، شريحة بطيخ، قلب مفتوح على مصراعيه، خضرته سواد وبياضه حبر وحمرته نار. البطيخ هنا ليس فاكهة، هو علم. علم ذبحوه فصار فاكهة، وصارت الفاكهة علما. على كتفها كوفية منسوجة كشبكة صيد، بياضها غبار الطريق وسوادها مداد الشهداء. بيدها شمس صغيرة مقطوفة، دوار شمس رأسه مدلى كجرس ينتظر النفير. وصاحبتها ظهرها سيف، نصف ظهرها عار، عظم كتفها بارز كحرف من حروف المقاومة. يدها ليست مقطوعة، يدها غائبة، غابت لتقاتل. الغياب أبيض، بياض يصرخ. وبينهما كرسي خشب بني، مقعده مجوف كحوض، ساقاه أربع لكنه أعرج، الكرسي الفارغ أثقل من الممتلئ. هو مقعد الشهيد الذي قام إلى السماء شهيدا ونسي أن يأخذ كرسيه، فبقي الكرسي يقاوم. هذه غزة حين تقف امرأة واحدة وتحفظ العلم في صدرها.

وتنحدر عيناك إلى ولد يكتب بقدميه. صفرة الغرفة صفرة تبن يابس، وزرقتها زرقة فراش غريق. الولد بنفسجي كزهرة برية طالعة من شق إسمنت بعد قصف. كتفاه جرفان مقصوفان، لا يدين، مكان اليدين بياضان كغمامتين مقصوصتين بسكين. ساقاه نهرا لحم صغيران ممدودان، قدماه كفان، أصابعه عشرة متشققة كأرض عطشى بعد حصار. بين الإبهام والسبابة قلم أخضر، عود قصب صغير، حاشر روحه بين اللحم ويكتب. رأسه مطأطأ حتى يكاد يسجد للورقة، الورقة بيضاء مجعدة كوجه عجوز من مخيم. والخط الذي يخرج منها أخضر مرتجف كأول نبتة بعد حريق. هذا ليس طفلا يكتب، هذه مقاومة تتعلم شكلا جديدا. قدم تتعلم أن تكون يدا، وجرح يتعلم أن يكون حرفا، وغزة كلها تكتب برجلها إن قطعت يداها. هذا انتصار. أن يكتب المبتور يعني أن العدو لم ينتصر. الدم هنا حبر، والقلم الأخضر راية.

ووراءه رجل مقطوع. ساقاه قصة من فوق الركبة، نهايتهما بياض شاش كالقطن، جالس على عربة حديد بعجلتين. العجلة اليمنى حمراء كقرص دم، والشمال سوداء كعين الليل. يداه قابضتان على الحديد، عروقه حبال مجدولة من صبر. هذا ليس مقعدا متحركا، هذه دبابة من لحم. هذا مقاتل لم يعد يمشي فصار يزحف على الحديد. قميصه أزرق كسماء مقشرة من دخان. خلفه نساء صف، وجوههن حجر جيري، لا دمع ولا ضحك، واقفات كأن الزمن نسي أن يقول لهن اجلسن. هن الثكالى، هن المخيم، هن غزة التي تقف خلف مقاتليها. ووراءهن وجوه أخرى مائية شفافة كأنها تذوب، وجوه الشهداء الذين يمرون ولا يمرون.

وعلى الجدار كومة، لا، بحر، أزرق داكن كحبر غرق فيه قوم، أجساد فوق أجساد، رأس ملقى على بطن ويد نائمة على وجه. ستة سبعة صاروا واحدا، التصقوا، برد الخيمة لصقهم وخوف المدرسة لصقهم، صاروا خبزة واحدة كبيرة من لحم. هذا ليس نوما، هذا رباط. هؤلاء النازحون الذين ناموا في صف ليتدفأ بعضهم ببعض، فصاروا جسدا واحدا للمقاومة. وسطهم امرأة فاتحة عينيها لا تنام، كفها على جبينها كمن يحاول أن يتذكر أسماء أولادها الشهداء. هي الحارسة، حارسة نوم لا ينام، حارسة الدم الذي لا يجف، غزة التي لا تغفو وإن نام أهلها شهداء.

وامرأة بثوب أسود كليل بلا قمر تحمل قفصا. ولد صدره قفص، أضلاعه أغصان، كل ضلع عود، بطنه حفرة في أرض، رأسه بطيخة كبيرة على جسد صغير، عيناه بئران ناشفتان. تحمله كأنها تحمل رغيف عظم. هذه ليست مجاعة، هذه حرب تجويع. هذا الطفل ليس مريضا، هذا شاهد. جسده بيان اتهام. أمه ثوبها يجر الأرض، وجهها منحوت بمبرد، حزنها قديم كحزن أول أم فقدت. وراءها ظهر رجل ملفوف كتابوت واقف ووجوه بعيدة كضباب الشهداء. لكن القفص سينكسر. الجوع لا يقتل غزة، غزة تأكل الجوع وتقوم.

وأب يحمل اثنين، واحد يطوق عنقه كصغير خائف أن يسقط، والثاني ساقاه قالبان أبيضان، جبس، ليس جبسا، كفنان صغيران، ساقان مربوطتان كأنهما جذع واحد، أبيضهما متسخ كأبيض كفن نبش. الأم بجانبه تحمل بيتا في حقيبة، حقيبة حمراء سوداء منفوخة بالخواء ثقيلة باللاشيء. وراءهم كرسي نصفه مرئي ونصفه سراب، ساقه السوداء كساق مصاب آخر. البيت نصفه قائم ونصفه دخان، لكن الأب ما زال يحمل. هذه غزة الأب. يحمل ولديه وبيته في كيس ويمشي. لا يسقط. المقاومة ليست بندقية فقط، المقاومة أب يحمل أبناءه الجرحى ولا يرميهم.

وبنت ظهرها دفتر، خمس ثقوب، خمس نقط سوداء، ثقوب رصاص، ثقوب نجوم انطفأت، جالسة على حديد بلا ظهر، بنطالها بنفسجي كدم عتيق يبس. أمامها على كرسي ثان ساقان بجوربين أبيضين، ساقان مقطوعتان موضوعتان كمزهرية، وراءهما ورد أبيض وأصفر وبنفسجي، كذبة، الورد لا يغطي الساقين. والخلفية وراء البنت كلها دم مسكوب، أحمر سائل نازل من فوق لتحت كشلال لا ينشف. هذه لوحة الثأر. ظهرها دفتر شهداء، كل ثقب اسم. الساقان أمامها ليسا ساقين، هما وديعة، هما أمانة ستحملها حتى النصر. الورد كذبة العالم، الدم وحده الحقيقة.

وولد يحمل كيسا، كيس أسود أكبر من صلاته، ظهره قوس من حمل، حوله نساء من هواء حاملات عصافير صفراء ميتة، العصافير في الكفوف كأنها حبات قمح ميتة. الكيس ليس كيسا، هو بيوت المخيم كلها، هو ركام حي جمعوه في كيس ليحمله طفل. والعصافير الميتة ليست عصافير، هي أحلام الصغار التي قتلوها. لكن الطفل ما زال يحمل، وظهره القوس سيستقيم، كقوس يرمي. لأن من يحمل ركامه لا يهزم، ومن يحمل عصافيره الميتة سيأتي يوم يطيرها حية.

ريما حفرت وجرحت، كرست الدم بغير ألوان وبذات المعنى القاني. البطيخة ليست فاكهة، هي علم مذبوح سيعود، والكرسي ليس كرسيا، هو قبر واقف سينبت، والقدم ليست قدما، هي يد تقاوم، والعجلة الحمراء ليست عجلة، هي ركبة مقطوعة تدور نحو القدس، والثقوب السوداء ليست ثقوبا، هي أفواه صغيرة تصرخ بالحرية ولا يسمعها إلا الله.

وغزة هي الشاهد، والشهداء هم المعنى اليقظ، والمقاومة هي اليد التي لا تقطع، والنصر هو الولد الذي ما زال يكتب.

ادلف، لا تنظر، انزف معها، ستجد نفسك في اللوحة عنصرا خلف المعنى، مقاتلا في لحن الدم المسفوك على مذبح الحرية.

شارك:

مقالات ذات صلة

قراءة "إنطباعية وشخصية" في رواية بداية أداجيو إن صول ماينور(الجزء الأول من ثلاثية بريزم/موشور)
ثقافة

قراءة "إنطباعية وشخصية" في رواية بداية أداجيو إن صول ماينور(الجزء الأول من ثلاثية بريزم/موشور)

جنى مشلب| كاتبة لبنانية لن تكون هذه المراجعة منهجية أو نقدية إنّما مراجعة انطباعية عن رواية بداية: أداجيو إن صول ماينور، وأنا جنى، ككاتبة، قارئة، ومتدرّبة في ور…

هيئة التحرير · 30 أكتوبر 2026 · 8 د قراءة
19 رواية تستحق القراءة من العراق، السودان، تونس، ليبيا والجزائر
ثقافة

19 رواية تستحق القراءة من العراق، السودان، تونس، ليبيا والجزائر

د. تهاني نصّار وعبدالرحمن جاسم قبل عامين تقريباً، وقبل الحرب الثقيلة القاسية والمتوحشة التي لا زالت مستمرةً على لبنان، بدأنا نون الروح وأنا في مشروع "الريجيم ال…

هيئة التحرير · 6 أوت 2026 · 20 د قراءة
حين يصبح الطريق بيتًا ايهما أهم، الطريق ام المنزل؟
ثقافة

حين يصبح الطريق بيتًا ايهما أهم، الطريق ام المنزل؟

أحمد المحمود في العادة، وفي أغلب الأعمال الأدبية، يكون الهدف أو نقطة الوصول هو ما ننتظر حدوثه، لنرى إن كان البطل أو البطلة سيبلغه. ولكن ماذا لو لم يكن الهدف هو…

هيئة التحرير · 4 أوت 2026 · 3 د قراءة
19 قصةٌ قصيرة عربية حكت المقاومة
ثقافة

19 قصةٌ قصيرة عربية حكت المقاومة

د. تهاني نصّار وعبدالرحمن جاسم أحبَّ الشعب العربي القصص للغاية، فروى الكثير، وكتب الكثير، وترك أثراً على الجدران منذ بدء الخليقة وحتى اليوم. تروي آثار المنطقة م…

هيئة التحرير · 31 جويلية 2026 · 16 د قراءة