ثقافة

حين يصبح الطريق بيتًا ايهما أهم، الطريق ام المنزل؟

أحمد المحمود في العادة، وفي أغلب الأعمال الأدبية، يكون الهدف أو نقطة الوصول هو ما ننتظر حدوثه، لنرى إن كان البطل أو البطلة سيبلغه. ولكن ماذا لو لم يكن الهدف هو الوصول من الأساس؟ ما…

هيئة التحرير··3 د قراءة·11555 قراءة
حين يصبح الطريق بيتًا ايهما أهم، الطريق ام المنزل؟
أحمد المحمود

في العادة، وفي أغلب الأعمال الأدبية، يكون الهدف أو نقطة الوصول هو ما ننتظر حدوثه، لنرى إن كان البطل أو البطلة سيبلغه. ولكن ماذا لو لم يكن الهدف هو الوصول من الأساس؟ ماذا لو كان السحر يكمن في الطريق ذاته، الذي يشكّل محور القصة والعنصر المحرّك لكل شيء؟
تتميّز المجموعة القصصية “الطريق إلى المنزل” الصادرة عن دار المجمع الإبداعي، وهي من كتابة مجموعة من خريجي ورشة الكتابة الإبداعية للمستوى الأول (الجيل السادس)، بتقاطع القصص حول افكار محددة ومتعددة. “العودة”، "الاغتراب"، "الحنين"، والطريق الذي يفصلهم عن "المنزل".
ينقسم عنوان المجموعة الى قسمين: “الطريق” بوصفه حركة دائمة، و“المنزل” باعتباره رمزًا للسكون والاستقرار. إلا أنّ نصوص المجموعة تعمل على عكس هذا المفهوم، حيث يتحوّل الطريق إلى القصة بحدّ ذاته، بينما يفقد المنزل دلالته الثابتة. ففي قصة “أريد أن أنضم إلى جماعة عاطف” للكاتبة المتدرّبة ريان الشيخ، نرى أنه، رغم أن البطلة لم تبتعد فعليًا عن منزلها أو أرضها، فإن أزمة البنزين خلقت واقعًا جعلها ترغب في الانضمام إلى جماعة تؤمّن البنزين، ولو بسعر مضاعف. هنا يصبح الطريق، وصعوبة سلوكه، هو القصة والمحور الأساسي. كما تقدّم هذه القصة صورة عن المرحلة التي مرّ بها لبنان خلال هذه الأزمة، وكأنها توثيق غير مباشر لتلك الحقبة ولهذا “المنزل الكبير”.
إن العودة هنا لا تقتصر على السافة الجغرافية فقط، بل نفسية وزمنية أيضًا. ففي قصة “دب برأس كبير”، تروي لنا الكاتبة المتدرّبة لينا حميد حالة الخوف والتوتر والأفكار المبعثرة التي تمرّ في ذهن بطلتها أثناء عبورها أحد الحواجز التابعة لجيش لحد الذي كان تابع لجيش العدو الصهيوني في فترة احتلاله جنوب لبنان ما قبل ال 1982. ورغم كل هذا الخوف والخطر الذي كان يحدق بها، لم تتخلَّ عن “الطريق”، بل قاومت وأصرّت على الوصول إلى بلدتها.
تبرز العديد من قصص المجموعة مشكلة الهوية لدى المغترب، كما فعل الكاتب المصري علاء الأسواني في روايته "شيكاغو" كما اظهر لنا شخصية تعشق كل ما هو أميركي من التفكير الى الثقافة وصولا الى قبعة البيسبول. اما هنا فنجد كيف لابطالنا تمسك بهذه الهوية رغم صعوبة الامر ووجود تسالات عديدة. ومن الأمثلة على ذلك قصة “الكوفية بتحكي لحالها” للكاتب المتدرّب عماد شيري، حيث يختار بطله المغترب، العائد إلى قريته، المواجهة والتصدّي قبل عودته.
كما تطرح هذه المجموعة فكرة الزمن، حيث يتغير المرء بعيدا عن منزله، بينما يبقى "المنزل" في ذهن البطل ثابت. كما في قصة "في وداع الفولز فاكن" للكاتب المتدرب علاء الاحمد حيث باتبعداه عن عائلته واهله لن يعود لهم كما كان سابقا.
كما تبرز فكرة المقاومة والاستمرار رغم القلق وغياب اليقين، كما حصل في قصة "حين تبعنا ضوء الفانوس" للكاتبة المتدربة جود الامين. حيث القلق وعدم اليقين بما سيحدث باي من اللحظات القادمة لدى ابطالها بمواجهة الصهاينة كان يسيطر عليهم.
الطريق هنا لا يُختزل في كونه وسيلة، بل يتحوّل إلى فعل بحد ذاته، الى القصة بحد ذاتها. إن الاستمرار في الحركة، رغم الشك، يعكس موقفًا مقاومًا يمنح المعنى، بدلًا من انتظار النهاية والوصول لمنحه هذا المعنى.
تتميّز المجموعة بتعدد افكارها، حيث يقدّم كل كاتب تصورًا خاصًا لمفهوم المنزل. وهذا يعكس اختلاف التجارب الإنسانية في فكرة الانتماء. فالمنزل قد يظهر كرمز للحنين في بعض النصوص، وكحلم مستقبلي في نصوص أخرى، أو كحالة خاصة وفريدة. وهذه التعددية لا تُضعف وحدة العمل، بل تعزّزها، لأنها تكشف أن المعنى لا يُختزل في تعريف واحد.

شارك:

مقالات ذات صلة

في معرض ريما البشير تمظهرت المعاني صرخة
ثقافة

في معرض ريما البشير تمظهرت المعاني صرخة

زَيد حمد تدلف، فتقع في وعي اللون. بلاط صغير مستدير مرصوف كحبات مسبحة انفرطت عقدها. أبيض كالملح، وأصفر كقمح منسي في بيدر، وأحمر كبذر بطيخ، وأسود كحبة بركة، ورماد…

هيئة التحرير · 1 نوفمبر 2026 · 5 د قراءة
قراءة "إنطباعية وشخصية" في رواية بداية أداجيو إن صول ماينور(الجزء الأول من ثلاثية بريزم/موشور)
ثقافة

قراءة "إنطباعية وشخصية" في رواية بداية أداجيو إن صول ماينور(الجزء الأول من ثلاثية بريزم/موشور)

جنى مشلب| كاتبة لبنانية لن تكون هذه المراجعة منهجية أو نقدية إنّما مراجعة انطباعية عن رواية بداية: أداجيو إن صول ماينور، وأنا جنى، ككاتبة، قارئة، ومتدرّبة في ور…

هيئة التحرير · 30 أكتوبر 2026 · 8 د قراءة
19 رواية تستحق القراءة من العراق، السودان، تونس، ليبيا والجزائر
ثقافة

19 رواية تستحق القراءة من العراق، السودان، تونس، ليبيا والجزائر

د. تهاني نصّار وعبدالرحمن جاسم قبل عامين تقريباً، وقبل الحرب الثقيلة القاسية والمتوحشة التي لا زالت مستمرةً على لبنان، بدأنا نون الروح وأنا في مشروع "الريجيم ال…

هيئة التحرير · 6 أوت 2026 · 20 د قراءة
19 قصةٌ قصيرة عربية حكت المقاومة
ثقافة

19 قصةٌ قصيرة عربية حكت المقاومة

د. تهاني نصّار وعبدالرحمن جاسم أحبَّ الشعب العربي القصص للغاية، فروى الكثير، وكتب الكثير، وترك أثراً على الجدران منذ بدء الخليقة وحتى اليوم. تروي آثار المنطقة م…

هيئة التحرير · 31 جويلية 2026 · 16 د قراءة