حوارٌ مفتوح على نافذة الحلم المشرعة
زيد و محمد | كاتبان عربيان محمد: يحدثونني عن حياد الجامعة، عن معبدٍ للعلم وممرٍ للوظيفة، وأنت تأتيني لتقول إنها سجن. أليس في قولك شطٌ رومانسي؟ كيف تكون سجناً وأنا أدلف من أبوابها و…

زيد و محمد | كاتبان عربيان
محمد: يحدثونني عن حياد الجامعة، عن معبدٍ للعلم وممرٍ للوظيفة، وأنت تأتيني لتقول إنها سجن. أليس في قولك شطٌ رومانسي؟ كيف تكون سجناً وأنا أدلف من أبوابها وأخرج متى شئت؟
زيد: وأنا ساءلت نفسي سؤالك ذاته في أول عتبة. أجل، الأبواب مشرعة، لكن أعتى السجون هو ذاك الذي يسلّمك مفتاح زنزانتك لتُطبقها بيدك. أنا أراها هكذا يا محمد، مصنعاً بارعاً يصهر أبناء الحقول والقرى ويعيد سبكهم موظفين يخشون انقطاع الراتب أكثر من انقطاع الوطن. يعلّموننا أن نخطّ أسماءنا بخطٍّ أنيق فوق محضر اعتقالنا ونسميه شهادة. أما آن لك أن تشعر أن هذه الشهادة هي تنازلنا الأول؟
محمد: حسناً، أنت تجعل من المقاومة مساراً طويلاً وذاكرةً وجذوةً موروثة. لكن الشارع ضجر، يريد الآن، يريد البرق لا الحكاية. الناس سئمت الانتظار وسرديات الجدات. أليست لغة المسار ذريعةً للعجز، وتأجيلاً للفعل باسم الحكمة؟ ألسنا نهرب من وهج اللحظة إلى سراب الطريق؟
زيد: وقد خشيتُ ما خشيتَ أنت، أن يغدو المسار عذراً للتأخر. ولكن من أين تولد اللحظة التي تعشقها؟ المقاومة ليست طلقةً طائشةً في عتمةٍ، بل جذوةٌ تُستودعُ صدراً بعد صدر. هي مسارٌ طويل، حبله السري ممدودٌ من كفّ جدةٍ تطرّز مفتاح الدار على وسادة الحفيد، إلى أنامل أمٍّ تلقّن ابنها أسماء القرى المذبوحة قبل أن يتعلّم أسماء الفاكهة. هي جبهة وعيٍ تُعلن في المهد قبل المتراس، وتُخطّ بالحبر على دفاتر الصغار قبل أن تُحفر بالدم على سور الوطن. نحن لا نريد جيلاً يصرخ فحسب يا محمد، بل جيلاً يختزن. جيلاً يقتصد في دمعه وبوحه وضحكه، ويرجئ انفعالاته كلها إلى صبيحة التحرير. هذا هو اقتصادنا الثوري، أن نحوّل الغضب إلى سبائك صبر، والقهر إلى وقودٍ لمعركةٍ لم تبدأ بعد. اللحظة والمسار ليستا ضدّين، اللحظة هي ثمرة المسار، وابنة سبعين خريفاً من الصمت المسلح.
محمد: سرديات الجدات، ما الفرق بين الرواية والسردية؟
زيد: سؤالك هذا هو مفصل الحوار كله يا محمد.
الرواية شكل، والسردية بنية.
الرواية هي نص أدبي مغلق، له بداية ونهاية وشخصيات وحبكة، يكتبه فرد. غايتها الجمال والتوثيق، وحجتها هي صدقها الداخلي. تقول: هكذا حدثت الحكاية في مخيلتي.
السردية هي إطار تفسيري مفتوح، لا يكتبه فرد بل تبنيه سلطة أو جماعة عبر زمن طويل. لا تحكي قصة بل تمنح كل القصص معناها. غايتها الشرعية والهيمنة، وحجتها أنها تبدو كأنها الحقيقة الطبيعية. تقول: هكذا يجب أن تفهم كل الحكايات.
الفرق علمياً:
الرواية تروي حدثاً، السردية تنظم كيفية فهمنا لكل الأحداث.
الرواية تنتمي للأدب، السردية تنتمي للسلطة والمعرفة.
الرواية يمكن أن تكذب وتظل رواية جميلة، السردية إن كذبت تنهار منظومة كاملة.
لهذا رواية جدتك عن خروجها من يافا هي رواية، لكن تحويل كل روايات الجدات إلى قول واحد: نحن شعب مقتلع له حق العودة، هو سردية. الرواية حجر في اليد، والسردية هي البيت كله.
الاحتلال لا يحارب الرواية، يحارب أن تتحول الروايات إلى سردية، لأن الرواية تثير التعاطف، أما السردية فتبني حلم التحرير والمقاومة.
محمد: ترفع لواء الأمة، لكن أي أمة؟ سايكس بيكو انتصر، وجواز السفر انتصر، والحدود انتصرت. أنا في عمّان وأخي في دمشق لا نلتقي إلا بتأشيرةٍ من قنصلٍ غريب. عن أي جرحٍ واحدٍ تتحدث؟ الجراح تعددت وكل جرحٍ يقول نفسي نفسي. أليست الأمة اليوم حنيناً معتقاً لخطاب عبد الناصر في مذياعٍ قديم؟
زيد: كلامك موجع لأنه حق، وأنا أقف معك على ذات الحدود وأُردّ. لكن هل انتصر سايكس بيكو فعلاً، أم نحن الذين صدّقنا انتصاره؟ الأمة ليست حبراً على ورقٍ اقتسمه اللصوص على مائدة الغنيمة. الأمة جرحٌ واحدٌ مفتوحٌ من بحر العرب إلى بحر الظلمات، تنزفه بغداد إن جُرحت غزة، ويشهق له قلب صنعاء إن اختنقت دمشق. هي أن تغصّ بلقمتك في عمّان لأن مخيماً في جنين جائع، وأن تخلع نعلك في قلبك لأن طفلاً في الخرطوم حافٍ. أجل، هي اليوم جسدٌ مصلوب، رأسها في السماء يحلم وقدماها تغوص في الوحل. لكن سايكس بيكو لم يغتصب الجغرافيا وحدها، اغتصب حلم التحرير والمقاومة. وإن سلّمنا أن جواز السفر هو الحقيقة، نكون نحن من وقّع صك الاغتصاب. مهمتنا معاً أن نكسر المرآة التي نرى فيها هزيمتنا كل مساء ونصنع من شظاياها سكيناً.
محمد: سأصارحك، حديث السقف جميل لكنه يصطدم بجدار. تقول اليقين يصنع الدبابة، والواقع يقول الدبابة تسحق اليقين كل صباحٍ في غزة وجنين. نحن لا نسكن تحت سقفٍ وهميٍ في رؤوسنا، بل تحت سقفٍ من إف 35 يخفق فوق رؤوسنا. أليس تفجير الألغام في العقول هروباً من تفجير الألغام الحقيقية في الأرض؟
زيد: وأنا لا أنكر السقف الحديدي يا محمد، هو فوقنا نارٌ ولهبٌ كل يوم. أنا أسأل معك، متى بدأت الدبابة تنتصر علينا؟ العدو لم ينتصر بحديدها وحده، انتصر يوم أقنعنا أن فلسطين قضيةٌ خاسرة وأن استعادتها جنون. أين محدودية القدرات؟ أفي يد طفلٍ يحفر بملعقةٍ نفقاً للحرية؟ أفي صدر أمٍّ تهرّب كتاباً محظوراً في ثنية ثوبها فتهرّب معه وطناً كاملاً؟ القدرات كالجمر تحت رماد القهر. أنا أدعوك معي أن نفجّر اللغمين معاً، لغم لا نستطيع في جماجمنا ولغم الاحتلال في أرضنا. الدبابة بلا يقينٍ خردة، واليقين بلا دبابةٍ يصنع ألف دبابة. ألا ترى ذلك معي؟
محمد: كل هذا البيان عن الخندق والوعي، ثم تعود لتتصارع على صندوق اقتراعٍ طلابي؟ أليس العمل الطلابي لعبةً صغيرةً صاغتها العمادة لامتصاص الغضب؟ ننتخب بعضنا ونظن أننا انتصرنا وما نحن إلا بدلنا جلاداً طلابياً بآخر؟
زيد: وكنت أقول بقولك تماماً، إن جعلوه صندوقاً فقد قتلوه. لكن ماذا لو اقتحمنا اللعبة بمنطقنا نحن؟ العمل الطلابي ليس أن يفوز بك المقعد، بل أن تدخل الاتحاد ولا يدخل الاتحاد فيك. أن نحوّل معاً الكافيتيريا إلى حلقة قراءة، والمدرج إلى محكمة وعي، والجدار إلى جريدةٍ حرة، والمقعد الخشبي إلى خندق. التنظيم ليس كشف أسماء، هو أن يعرفك اثنان ويجهلك الثالث، أن تكون الفكرة أكبر من حامليها، حتى إذا سقط واحد لم تسقط الفكرة. فكيف تراها أنت، كيف نكسر اللعبة من داخلها؟
محمد: أفهم، لكن ثمن ذلك أن أمضي وحيداً. الجميع سيمضي إلى منحةٍ ودكتوراهٍ ووظيفةٍ في الخليج، وسأبقى أنا أحرث البحر. لماذا أدفع وحدي ضريبة جيلٍ كاملٍ آثر النوم؟
زيد: هذا الوحشة سكنتني قبلك يا محمد وما زالت تزورني. سيمشون إلى جانبك أولاً، ثم يصمتون، ثم يهمسون متطرف، ثم ينفضّون. وهناك بالضبط نبدأ نحن. أنا لا أدعي أني تجاوزت الوحدة، أنا أقول إن من لم يتعلّم المشي وحيداً لن يتعلّم قيادة أحد. نحن لا نفتش عن كثرةٍ، نفتش عن قلةٍ لا تنام. حفنةٍ تحمل الكتاب كأنه منشور، والمنشور كأنه كتاب. وهذا يكفي لحرق سفن الخوف كلها، أليس كذلك؟
محمد: وفي قلب كل هذا العتم، أين أضع قلبي؟ أين أضع أغنيةً أحبها، أو قصيدةً، أو فتاةً أحلم بها؟ هل تريدني بياناً يمشي على قدمين؟
زيد: بل أخاف عليك أن تغدو بياناً يا محمد. الحب هو المقاومة في ذروتها. أن تحب فتاةً من مخيم، أن تحب قصيدةً لمظفر النواب أكثر من أغنيةٍ في الراديو، أن تحب أمك وهي تخبئ صورتك وأنت تهتف، هذا هو الثوري الذي أريده. الفن ليس زينة الثورة، بل دليلها وبوصلتها. إن لم نقدر أنا وأنت أن نرسم في حلم التحرير والمقاومة وطناً أبهى من هذا، فلن نقدر أن نبنيه. الأغنية التي تُبكيك اليوم هي ذاتها التي تجعلك تحمل حجراً غداً.
محمد: هل يملك من تقيّده لقمة العيش قدرةً على النهوض والتطلع لما هو أبعد؟ أرى طلاباً يعملون سعاةً بعد المحاضرة وعمّال مطاعم، كيف تحدثهم عن حلم التحرير والمقاومة وبطونهم خاوية؟
زيد: وأنا أرى معك ذات المشهد ولا أملك أن أقول لك انسَ رغيفك. من تقيّده لقمته لا يُلام إن لم ينهض، يُلام النظام الذي قيّده. لكن من الذي جعل الرغيف قيداً؟ أليس هو نفسه الذي نهب الحقل؟ هم يريدونك أسير يومك كي لا تفكر في غدك. النهوض ليس أن تترك عملك، بل أن تفهم لماذا تعمل ليل نهار وتبقى فقيراً. أن تدرك أن فقرك ليس قدراً سماوياً بل مشروعاً سياسياً. وحين تدرك ذلك، حتى وأنت تحمل صينية المطعم، تكون قد بدأت التطلع. حلم التحرير والمقاومة لا يولد بعد الشبع، يولد من الجوع نفسه حين يُفهم سببه.
محمد: وهل ينهض من يستغرقه يومه كله؟ من يعدّ الدنانير من الفجر إلى الليل، أنّى له وقتٌ ليقرأ أو ينظّم أو يحلم؟
زيد: وحده لا ينهض يا محمد، وهذا هو الجوهر. الرأسمالية تريدك وحيداً مستغرقاً بلا وقتٍ لغيرك، لذلك تكره التنظيم أكثر من كرهها للهتاف. من يستغرقه يومه ينهض بغيره. واحدٌ يقرأ وآخر يعمل، واحدٌ يكتب وآخر يوزّع. هذا معنى التنظيم، أن نقتسم الوقت كما نقتسم الرغيف. لا أطلب منك وقتاً إضافياً، أطلب منك رفيقين يقتسمان معك الوقت. حينها يخفّ اليوم ويثقل المعنى. أليست العزلة هي ما يستنزفنا أكثر من العمل؟
محمد: إذا كان الخبز يبقي على الحياة، فهل تبقي الكرامة على المعنى؟ وهل يقدر مقهورٌ أن ينهض دون أحدهما؟
زيد: هذا سؤال الفلسفة كلها يا محمد. الخبز يبقي الجسد حياً، والكرامة تبقي الحياة جديرةً بأن تُعاش. بلا خبزٍ نموت جسداً، وبلا كرامةٍ نموت معنىً ونحن أحياء. المقهور لا ينهض بخبزٍ وحده فيغدو كائناً شبعاناً في حظيرة الاحتلال، ولا بكرامةٍ وحدها جائعاً فيغدو شهيداً قبل أوانه بلا أثر. النهوض يحتاج الاثنين معاً، وهذا ما أراد عبد الناصر أن يقوله وما صرخ به مظفر النواب. لذا معركتنا معاً هي معركة الخبز والكرامة في آنٍ واحد، رغيفٌ لا يذلّ، وكرامةٌ لا تجوّع. تعاونيةٌ طلابيةٌ تطعمنا دون أن تمدّ يدها لسفارة، ومجلةٌ ترفع رأسنا دون أن تبيعه لتمويلٍ أجنبي. الخبز يبقيك على قيد الحياة، والكرامة تبقي الحياة على قيد المعنى، وحلم التحرير والمقاومة هو الرغيف الذي يجمعهما.
محمد: إذن لا أطلب وصفة، أطلب صدقاً، هل سننتصر؟ أم أننا نزين هزيمتنا بكلامٍ جميل؟
زيد: صدقاً يا محمد، لا أعلم إن كنا سننتصر غداً، ولو قلت لك سننتصر غداً لكنت أكذب علينا. كل ما أعلمه أنا وأنت أنهم يملكون كل شيء إلا شيئاً واحداً، لا يستطيعون أن يمنعونا من حلم التحرير والمقاومة. فامشِ في الجامعة كأنك تحمل وطناً صغيراً في حقيبتك، كلما فتشوا دفاترك وجدوا خريطةً لا تعترف بحدودهم. حلم التحرير والمقاومة هو أول رصاصة، فهل نحملها معاً يا رفيقي؟
مقالات ذات صلة

تحت الأمطار في "أولم".. خمسة أيام تحاصر مصنع الموت
لين يوسف | ناشطة طلابية أقامت حركة “Shut Elbit Down” مخيمها الاحتجاجي السنوي مدة خمسة أيام متواصلة من ال14 إلى 18 تشرين الأول 2026، أمام مقر شركة تصنيع أسلحة ال…
هيئة التحرير · 20 أكتوبر 2026 · 1 د قراءة
الشباب و المشاركة السياسية
محمد البيولي | باحث في علم الاجتماع و رئيس منظمة شباب حركة الشعب تتعدد األحداث السياسية و االجتماعية بالوطن العربي بوتيرة متسارعة منذ عقد و نيّف، و يشهد المجتمع…
هيئة التحرير · 26 جوان 2026 · 7 د قراءة
في المأسسة : صمّامُ أمَانٍ وضمانُ إنجازٍ
دكتور محمد حبيب الغديري أستاذ جامعي و كاتب عربي لعل من أهم الأسئلة المُرَكَّبة المُرْبِكة التي لا يملك المرء المتابع للشأن القومي العربي على اُمتداد السنوات الع…
هيئة التحرير · 2 ماي 2026 · 12 د قراءة
الأمن الإجتماعي: جبهة منسية
عصام فاخوري رئيس الدائرة السياسية في الحرس القومي العربي يشكّل الأمن الاجتماعي إحدى أخطر الجبهات المهملة في الصراع الدائر حول لبنان، في ظل تصاعد دور العدو في تف…
هيئة التحرير · 14 جانفي 2026 · 4 د قراءة